
حين يتحول التاريخ إلى سلاح.. لا نواجه الرواية الإسرائيلية برواية مضادة بل بالحقيقة
بقلم الكاتب والإذاعي: شريف عبد الوهاب رئيس الشعبة العامة للاذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب
ثمة معارك لا تُخاض بالمدافع وحدها، وإنما تُخاض أيضًا بالكلمة والوثيقة والخريطة والذاكرة.
ومن هنا تأتي أهمية المقال الذي نشره الكاتب حاتم الكسواني تحت عنوان «الرواية التوراتية سلاح إسرائيل في قضم أرضنا العربية»، والذي أثار قضية بالغة الحساسية تتصل بالعلاقة بين الرواية الدينية والتاريخ والجغرافيا والسياسة، وبالطريقة التي يمكن أن تتحول بها رواية تاريخية أو دينية إلى أداة لتبرير مشروع سياسي معاصر.
لكن أهمية القضية تفرض علينا أن نذهب أبعد من الانفعال، وأن نفرق بين أمرين: حقائق التاريخ كما يمكن إثباتها، وبين توظيف التاريخ في الصراع السياسي. فمن الخطأ أن نواجه رواية أحادية برواية أحادية أخرى، أو أن نستبدل أسطورة بأسطورة، حتى لو كان الهدف الدفاع عن الحق العربي.
التاريخ ليس صك ملكية.. ولا يمنح حقاً أبدياً
المشكلة الأساسية ليست فقط في مدى صحة الروايات القديمة، بل في المنطق الذي يحول التاريخ إلى صك ملكية. إن إثبات وجود جماعات أو ممالك قديمة في أجزاء من كنعان لا يعني بأي حال من الأحوال أن ذلك يمنح دولة معاصرة حقًا أبديًا في الأرض.
وتوجد بالفعل شواهد أثرية ونقوش قديمة تذكر اسم «إسرائيل» في كنعان؛ ومن أشهرها مسلة مرنبتاح المصرية التي يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهي من أقدم الإشارات غير التوراتية إلى جماعة تحمل هذا الاسم في المنطقة. كما أثارت مسلة تل دان نقاشًا واسعًا حول عبارة «بيت داود» وعلاقتها بمملكة يهوذا.
لكن وجود إسرائيل القديمة ــ وفق الدلالة التي يناقشها علماء الآثار ــ ليس هو القضية التي تحسم الصراع المعاصر. فالإنسان لا يرث ملكية الأرض لمجرد أن جماعة بشرية عاشت عليها قبل آلاف السنين. ولو قبلنا هذا المنطق، لتحولت خريطة العالم كلها إلى سلسلة لا تنتهي من المطالب التاريخية، ولأصبح لكل شعب الحق في استعادة كل أرض وطأتها أقدام أسلافه في عصور غابرة.
الدولة الحديثة لا تُبنى على شجرة النسب، وإنما على القانون والواقع السياسي وحقوق الشعوب.
غياب الشواهد الأثرية: الحقيقة العلمية تفكك الأسطورة
إذا انتقلنا من الفلسفة السياسية إلى البحث الأركيولوجي والتاريخي الميداني، فإن الحقائق العلمية تصدم الخطاب الاستعماري في جوهره: التاريخ والآثار لا يثبتان أي حق لوجود سياسي أو تاريخي بالصورة التي تروج لها الأدبيات التوراتية.
غياب السجلات التاريخية للأحداث الكبرى:
الحديث عن الشخصيات والقصص الدينية الكبرى — كقصة إبراهيم، ويوسف، وموسى عليهم السلام، أو حادثة الخروج من مصر — لا يجد أي سند أو أثر في السجلات والنقوش القديمة. فبالرغم من أن التاريخ المصري القديم يُ يعد من أكثر التواريخ توثيقًا وتفصيلاً للمعارك والشؤون الإدارية واليومية، إلا أنه يخلو تماماً من أي إشارة أو دليل مادي يثبت وقوع حادثة الخروج أو استعباد تلك المجموعات بالصورة الموصوفة نصوصياً.
شهادة علماء الآثار والباحثين الإسرائيليين:
لم تعد هذه الحقيقة مجرد رأي عربي، بل إن علماء الآثار الجدد وباحثي التاريخ في المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية أنفسهم (مثل إسرائيل فينكلشتاين وزئيف هيرتسوغ) أقروا بهذه النتائج. فقد أثبتت العقود الطويلة من التنقيب والمحو الأثري الحثيث في سيناء وفلسطين عدم وجود أي أثر مادي لقصص التيه أو الخروج.
لغز “هيكل سليمان”:
بالرغم من كل أعمال الحفريات والتنقيب الجارية تحت القدس وفي محيطها منذ أكثر من قرن، لم يعثر علماء الآثار على أي دليل مادي أو شواهد معمارية تثبت وجود “هيكل سليمان” أو مركز إمبراطوري ضخم بالصورة التي ترسمها المرويات القديمة. بل إن المعطيات الأثرية الميدانية تؤكد أن القدس في تلك الحقبة لم تزد عن كونها قرية جبلية صغيرة ومحدودة.
وهذا التمايز العلمي لا يعني نفي الإيمان أو التقليل من قيمة النص الديني، ولكنه يضع حداً فاصلاً وضرورياً بين الإيمان اللاهوتي وبين الواقع التاريخي والأثري المادي الموثق.
نقد الخطاب العربي: لا نكرر أخطاء الطرف الآخر
هنا ينبغي أن نكون أكثر شجاعة في مواجهة أنفسنا.
المقال المشار إليه يذهب إلى تبني فرضية أن جغرافية أحداث التوراة كانت في اليمن وعسير، ويستند إلى أطروحات باحثين من أمثال كمال الصليبي وفاضل الربيعي، ثم يبني على ذلك نفيًا واسعًا للرواية المرتبطة بفلسطين. وهي فرضيات ورغم كونها محاولات بحثية، إلا أنها تظل فرضيات غير محسومة علمياً ولا تشكل حقائق أركيولوجية قاطعة.
إن خطورة استخدام فرضية غير محسومة وكأنها حقيقة نهائية تكمن في أنها تنقلنا من ساحة العلم إلى ساحة ردود الأفعال. نحن لا نحتاج إلى نفي وجود بني إسرائيل أو نقل جغرافيتهم إلى اليمن لنثبت حق الفلسطينيين في أرضهم.
فالمعركة العلمية لا تُدار بإلغاء كل ما هو تاريخي أو استبدال جغرافية بجغرافية، بل تنحصر في تفكيك الاستغلال السياسي للتاريخ. هناك فرق بين نقد الرواية التوراتية وبين إنكار الوجود المادي القديم، وهناك فرق أكبر بين وجود جماعات قديمة وبين إعطاء دولة حديثة الحق في تهجير شعب واحتلال أرضه.
فلسطين لا تحتاج إلى معجزة تاريخية
الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يثبت أن بني إسرائيل لم يعيشوا في فلسطين قبل آلاف السنين حتى يثبت حقه في الحياة على أرضه. ولا يحتاج العربي إلى أن يثبت أن كل موقع ورد اسمه في التوراة موجود في اليمن حتى يرفض الاستيطان.
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى إعادة كتابة التاريخ القديم حتى يصبح الظلم المعاصر واضحًا، إنها تحتاج إلى:
الوثيقة والسجل السكاني.
القانون والشرعية الدولية.
الآثار الموثقة والخرائط العثمانية والبريطانية.
الملكية الفعلية والتاريخ الحديث المتصل.
هذه الأدوات أقوى بكثير من الدخول في “حرب أساطير” أو سجالات لاهوتية لا تنتهي.
معركة الذاكرة تحتاج إلى علماء لا إلى شعارات
إن الرد العربي الأكثر قوة لا يكون باختراع رواية مضادة، بل ببناء مؤسسات علمية حقيقية. نحتاج إلى:
مراكز بحث متخصصة في علم الآثار والتاريخ القديم.
مشروع قومي لرقمنة الوثائق والخرائط وتوثيق أسماء الأماكن والقرى.
قراءة النقوش بلغاتها الأصلية وفحص الطبقات الأثرية بحيادية ونزاهة أكاديمية.
وعندما نختلف مع باحث إسرائيلي أو غربي، يجب ألا يكون ردنا شعاراتياً، بل أن نسأله بوضوح: أين دليلك الأثري المادي؟
وحين يقدم الباحث العربي أطروحة جديدة، نطلب منه المعيار نفسه: أين دليلك؟
هذه هي الطريقة الوحيدة التي تنتصر بها الحقيقة وتفرض احترامها على العالم.
كلمة أخيرة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الصراع العربي الإسرائيلي هو أن يتحول التاريخ إلى محكمة تمنح الأرض لمن يثبت أنه كان موجودًا عليها قبل ثلاثة آلاف عام. لو قبل العالم هذه القاعدة، فلن تنتهي الحروب على وجه الأرض.
أما القاعدة الأكثر إنسانية وعدلاً فهي: التاريخ يُدرس، والدين يُحترم، والآثار تُحمى، والحقوق السياسية والإنسانية تُبنى على القانون والواقع وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن الرواية الإسرائيلية التي اتخذت من النص التوراتي سلاحاً تترنح اليوم أمام حقائق الآثار وسجلات التاريخ التي أثبتت غياب الدليل المادي عنها. وسلاحنا الحقيقي والأبدي لمواجهتها لن يكون باختراع الأساطير المضادة، بل بالتمسك بـ: العلم… والوثيقة… والذاكرة الحية التي لا تكذب



