
الرواية التوراتية سلاح إسرائيل في قضم أرضنا العربية
حاتم الكسواني
هل كانت فلسطين مسرح السردية التوراتية لأرض الميعاد المزعومة رغم عدم أحقية أي فئة بشرية بالإدعاء بأن الله قد منحها وعدا بإمتلاك أرض شعب آخر قبل ثلاثة آلاف عام مضت.
فلم يثبت بأن هناك أية أدلة قد وجدت تحسم وجود بني إسرائيل في جغرافية فلسطين والدول المجاورة لها والأدلة على ذلك تحضر في أبحاث عدد كبير من الباحثين العرب الذين قالوا بأن أرض التوراة في اليمن، وكان من أبرزهم المفكر اللبناني كمال الصليبي الذي فتح الباب لهذه النظرية، والباحث العراقي فاضل الربيعي الذي تناولها بشكل موسع ومفصل في السنوات الأخيرة والأردني عمر شوتر، ومدير الآثار المصري زاهي حواس .
وتقوم هذه السردية المثيرة للجدل على فكرة أساسية وهي أن الأحداث الجغرافية والقصص الواردة في التوراة لم تحدث في فلسطين، بل وقعت في شبه الجزيرة العربية وتحديداً في اليمن وعسير،، وفي ذلك أثبت الباحث فاضل الربيعي تطابق النص التوراتي،مع النقش المسندي، الاشوري،البابلي، و مع النص التاريخي، وجغرافية اليمن وأكد أن العبرية لهجة من لهجات اليمن، وأن التوراة كتاب ديني يخص اديان اليمن القديم، واضاف إن إقليم المعافر يمثل مسرح احداث التوراة، وأن كل الكتب المقدسة كتبت بلهجة هذا الإقليم ومن ضمنها القران الكريم..
ولكن السؤال الهام الذي يطرح نفسه لماذا تركنا الباب مفتوحا للمستشرقين المتصهينين ان يتلاعبوا بجغرافبا وتاريخ بلادنا وان يشكلوها وفق النص التوراتي بإعادة تسمية كثير من مواقعنا الجغرافية في فلسطين والأردن وفق النص التوراتي وتثببتها رغم ان هذا النهج كان محض تزوير بتزوير، فلماذا مثلا تتم تسمية مقام في البتراء لولي من أولياء الله أقامه أهل المنطقة وفق ثقافتهم بمقام هارون ، وكذلك كيف لجبل مملوك لعشيرة الوخيان الأردنية ان يباع بتسهيل من الحكومة الأردنية للفرنسيسكان ليصبح فيما بعد ” جبل نيبو ” والإدعاء بأن نبي الله موسى قد طل منه على أرض الميعاد ” فلسطين” وقد جرى كثير من التزوير فيه بتحويل معلم بيزنطي إلى كنيس يهودي كم تم استحضار خرائط فسيفسائية وزرعها في الجبل المذكور لتؤكد مكوناتها ان الجبل هو مطل نبي الله موسى على أرض الميعاد.
وما زال العمل جاريا لإستحداث 12 عين ماء يتم إستجرارها من أحواض المياه الجوفية في المنطقة للإيحاء بأنها العيون التي فجرها نبي الله موسى لقومه وفق ماورد في سورة البقرة ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) كما جاء ذلك في سفر الخروج 17: 6 بالتوراة دون تحديد عدد العيون التي تغجرت بفعل ضرب نبي الله موسى للصخرة( أمر الرب موسى قائلاً: “ها أنا أقف أمامك هناك على الصخرة في حوريب، فتضرب الصخرة فيخرج منها ماء ليشرب الشعب” وتذكر الرواية أن موسى ضرب الصخرة فخرج الماء بغزارة ليكفي الشعب كله ومواشيهم.
ولكن هل كانت منطقة جبل الوخيان تسمى حوريب يوما؟!
وقصة أخرى تتعلق بمكاور في مأدبا وكتب فيها كثير من الخبراء الذين حذروا مما يقوم به المهندس المعماري الهنغاري “قيوزو فوروس” Győző Vörös الذي عمل كمدير لمشروع مكاور بالتعاون مع دائرة الآثار الأردنية منذالعام 2009 حتى 2017 و بالتعاون و الاشتراك مع معهد الفرنسيسكان في القدس والذي يشغل صفة باحث في معهد الفرنسيسكان في القدس المحتلة بالاضافة لعمله الأصلي كأستاذ في الاكاديمية الهنغارية للفنون والذي قدّم مكاور بوصفها قلعة وقصر يهودي ذا أهمية في التاريخ اليهودي دون أي دليل علمي او أثري الامر الذي اضطره الى تزوير بئر تصفية مياه نبطي عربي في مكاور و زعم أنه ميكفاة Mikva’ot (بركة غطس طقسية يهودية) و الى بناء مسطح حجري في مكاور و من الصفر و زعمه زورا و بهتانا أنه المسرح الذي رقصت عليه اليهودية سالومي حين طلبت رأس يوحنا المعمدان .
وحتى التاريخ أي 2017 ظل فوروس حذراً فيما ينشر و يحاول الظهور بمظهر الباحث الاكاديمي المحايد و كان يذكر الباحثين الأردنيين من دائرة الآثار في معظم ابحاثه المنشورة بصفتهم شاركوا أو تعاونوا في بعض الأعمال و هذا أمر طبيعي حيث هي العادة إلى أنه ومع نهاية عقده مع دائرة الآثار العامة الأردنية خلص إلى نتيجة مفادها أن قلعة مكاور كانت بنيت بنفس صفات المعمار الهندسي للهيكل اليهودي المزعوم كما وصفها التلمود.
وجاء هذا الاكتشاف المزعوم (التزوير) في عام 2016 وتم نشره بشكل واسع بوصفه «ميكفاه يهودية» و على نطاق دولي في نهاية 2017، وهي السنة نفسها التي أصبحت فيها البعثة مشتركة رسميًا مع معهد الفرنسيسكان في القدس المحتلة في مقالته الشهيرة التي احتفت بها الصحافة الاسرائيلية :
Győző Vörös, “Machaerus: A Palace-Fortress with Multiple Mikva’ot,” Biblical Archaeology Review, Vol. 43, No. 4, July/August 2017
وتتكرر اسقاطات المستشرقين و أعضاء بعثات التنقيب عن الآثار في كامل منطقتنا العربية التي حددت وفق الرواية الإسرائيلية التلمودية على أنها ارض الميعاد.
وفي مصر أيضا يرفض عالم المصريات زاهي حواس ان تكون مصر مسرحا لأحداث التوراة بأن نبي الله موسى عاش فيها وخرج منها ، ويؤكد حواس أنه لا توجد أية أدلة أثرية أو مادية لوجود أنبياء الله ( موسى وإبراهيم ويوسف) في الآثار المصرية المكتوبة على المعابد أو الجدران، ناهيك عن ان حكام مصر لم يلقبوا يوما بلقب فرعون بل انهم كانوا ملوكا حسب النقوش والأدلة التاريخية للمنطقة.
ولم يكف الكيان الصهيوني في إسرائيل عن تكرار محاولاته زرع لقايا وقطع آثار مزورة في أرضنا العربية لإفتعال أمر إكتشافها في وقت لاحق كدلائل على وجودهم المزعوم في منطقتنا وحول ذلك كشفت وزيرة السياحة السابقة مها الخطيب أنه قد تم القبض عدة مرات على سياح إسرائيليين حاولوا دفن مقتنيات فخّارية مكتوب عليها بالعبرية في أماكن عدّة في الأردن، مثل وادي بن حمّاد في الكرك ، وفي البتراء وطبقة فحل ، بهدف العودة لاحقاً للقول إن هناك آثارا يهودية موجودة فيها ، وأن أرض الأردن أيضاً إسرائيلية، وهي فكرة ساذجة، فقد أتت إلى الأردن بعثات أثرية طويلة عريضة على مدى السنوات، لكن لم يُثبت أياً منهم بوجود آثار أو أي بقايا أو إشارات لوجود يهودي في الأردن.
واعتبرت الخطيب أن التركيز على الأردن، لأن العدو الصهيوني لن يستطيع أن يستمر بسياسته التوسعية دون أن يكون الأردن هدفا من أهدافه.
ليس هذا فحسب بل أن الصهيونية العالمية تتمادى بالطلب من الدول العربية لتعديل مناهجها بالشكل الذي يخدم أهدافها بعيدة المدى بخلق أجيال من أبناء الأمة منفصلين عن قضيتهم الفلسطينية، ولا يناصبونها العداء في الوقت الذي تزخر فيه مناهجهم بكل صور العداء لأبناء الأمة العربية بل ويتم تشكيل قناعاتهم بأن قتل كل الملايين العربية واجبا دينيا ملزما لهم.
وقد تضافرت جهود إسرائيل مع جهود الدول الأوروبية وأمريكا لتحقيق هذه الغاية عن طريق ربط المساعدات التي تقدمها تلك الدول للدول العربية بشرط تعديل المناهج المدرسبة والجامعية وفق ما تقدمه إسرائيل من ملاحظات حول محتواها وصور التعديل والحذف والشطب المطلوبة من دولنا المتلقية لمختلف أنواع المساعدات.
فعند استطلاع آراء الشباب الإسرائيلي اجمع كل المستطلعين على أن هدفهم قتل كل الملايين العربية وفي مقدمتهم الفلسطينيين في الوطن المحتل.
وفي ظل سيطرة الغرب والصهيونيّة العالمية على وسائل التواصل الإجتماعي فسوف تظل سردبتنا ضعيفة مقابل سرديتهم مالم نبتدع وسائلنا الخاصة لترويج سرديتنا التي تنطق بالحقيقة.
وعليه فلابد لنا أن نبادر إلى عقد مؤتمر للجغرافيين والمؤرخين والأثريين العرب لتدوين سرديتهم حول جغرافية أرض الميعاد وتوثيقها ونشرها والإعلان عنها.
وان نقوم بإلغاء كل التسميات التوراتية واامستحدثة من قبل الكيان الصهيوني وأعوانه من المستشرقين و أفراد بعثات التنقيب عن الآثار المشكوك بنزاهتم ، وتثبيت الأسماء الحقيقية المتعارف عليها بين أبناء المنطقة منذ أقدم العصور.
ووقف اعتماد أعمال الإستكشافات الأثرية على المساعدات الأجنبية، وإقتصارها على جهد المؤسسات الجامعية الاردنية والعربية المتخصصة بعلوم الآثار ، وإقتصار المساعدات المالية والفنية الممنوحة لجهد التنقيب والإستكشاف على المساعدات غير المشروط .
وبعد كل هذه الإشارات حول نوايا الكيان الصهيوني وأعوانه إتجاه الأردن وبلادنا العربية فإننا نجزم بأن هذا الكيان لا يمكن أن نشعر معه بالأمان وان نهجنا ومواقفنا لا تشعرنا بأننا دول قوية مهيبة الجانب … واننا دول قادرة على الدفاع عن نفسها … واننا دول تخضع دائما للإملاءات ولا تصنع المواقف وتتخذ القرارات … وأن قراراتنا تبقى حبرا على ورق لا سياسات تفعل على الأرض.
وخاتمة القول نقول :
إن الشعور بالعجز هو أقسى شعور يسيطر علينا ونحن نرقب صلف خطاب العدو الصهيو أمريكي مع دولنا وفعل مواصلته قضمها قضمةقضمة ، ونرقب آثار إعتداءاته على آلام الأطفال والشيوخ والنساء في غزة و الضفة الغربية وكل أقطارنا العربية المبتلية بالحروب ولقتل والتدمير .



