
الخدعة تكتمل أمام الكاميرا
هذه لعبة. هذه خدعة. وهذه خطة محبوكة بإتقان. صورة إسرائيل القديمة احترقت في غزة، ويجري الآن بناء صورة أخر بركات

يحيى بركات – مخرج وكاتب سينمائي
منذ ظهور «نازا» في فينيسيا
وأنا أراقب اللقطات وهي تتوالى.
قبل الفيلم كانت تقارير عن جنود وضباط إسرائيليين عادوا من حرب الإبادة في غزة يحملون الذنب والانهيار النفسي. يومها حذرني أصدقاء من صورة يمكن أن تنقل مرتكب الجريمة، بعد قتل الأطفال والنساء، من موقع الجاني إلى موقع من يُطلب التعاطف معه.
ثم جاء «نازا»: 24 جنديًا وضابطًا واستخباراتيًا إسرائيليًا يشهدون على آلة القتل. مخرجان إسرائيليان. فينيسيا. خمس وعشرون دقيقة تصفيق. جائزة. ثم حملة إعلامية عالمية وعربية غير عادية.
بعدها يدخل الجيش الإسرائيلي إلى الكادر ويرد هذا غير صحيح .
يدخل وزير الثقافة ويصرخ «خيانة» ويهدد بسحب الجنسية، فيزداد الضوء على الفيلم.
يتسع التضامن الغربي والعربي والفلسطيني،
ثم تأتي اللقطة الأخيرة: أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي يتضامنون مع مخرجي «نازا».
بالنسبة إليّ، لم تعد هذه لقطات منفصلة.
هذه لعبة. هذه خدعة. وهذه خطة محبوكة بإتقان.
صورة إسرائيل القديمة احترقت في غزة، ويجري الآن بناء صورة أخرى: هناك نتنياهو وبن غفير وسموتريتش والجيش الذي ارتكب المجازر،
وفي الجهة الأخرى الجندي النادم، والمخرج الذي يكشف، والفنان الذي يحتج.
ها هو «الإسرائيلي الجيد» يعود إلى الكادر.
وأتوقع الخطوة التالية: ستعود السينما الإسرائيلية والسينمائي الإسرائيلي إلى المهرجانات العالمية من أوسع أبوابها،
وسيقال لمن طالبوا بالمقاطعة: هؤلاء ليسوا إسرائيل التي قاطعتموها؛ هؤلاء «إسرائيل الأخرى».
وربما سنسمع قريبًا مراجعات واعتذارات عن بيانات المقاطعة.
وهنا تكتمل الخدعة:
لم تُمحَ غزة من الصورة؛ استُخدمت غزة لإعادة صناعة صورة الإسرائيلي.
أنا لا أقرأ اللقطة وحدها.
أقرأ ما بينها وبين التي سبقتها والتي ستأتي بعدها.
فالسياسة تعرف ما يعرفه المونتير جيدًا:
إذا لم تستطع تغيير الحقيقة… غيّر ترتيب الصور، يتغير المعنى.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



