حين يسبق الاقتصادُ التعليم

طلال أبو غزالة

حرير- التعليم هو الطريق الطبيعي إلى العمل، والجامعة هي المكان الذي يهيّئ الشابّ لحياته المهنية، لكن الواقع العربي يقول شيئاً آخر. لدينا جامعات تتوسّع، وتخصّصات تتكاثر، وأعداد الخرّيجين تزداد عاماً بعد عام. وفي المقابل، تتّسع مشكلة البطالة بين الشباب، وتبحث شركات كثيرة عن مهاراتٍ لا تجدها بسهولة. المفارقة تستحقّ التوقّف، فكيف يمكن أن يكون لدينا هذا العدد الكبير من حملة الشهادات، وفي الوقت نفسه، نشكو من نقص المهارات؟ والمشكلة ليست في الطالب وحده، ولا في الجامعة وحدها، بل أعمق من ذلك.

منذ عقود خلت، لم أترك منبراً إلّا وتحدّثت فيه عن الإخفاق في بناء علاقة حقيقية بين ما نعلّمه في جامعاتنا وما يحتاجه الاقتصاد والأسواق. وما زلنا نختار التخصّص، في أحيانٍ كثيرة، وفق ما هو متاح، أو ما يطلبه الأهالي، أو ما يعتقد الطالب أنّه أسهل، ثمّ نكتشف بعد أربع سنوات أنّ السوق لا ينتظر هذه الشهادة. وهكذا تتكرّر القصّة: آلاف الطلّاب يدخلون تخصّصات بمسمّيات برّاقة أصبحت أعداد خريجيها أكبر بكثير من قدرة سوق العمل على استيعابهم، بينما تعاني قطاعات أخرى نقصاً واضحاً في الفنّيين والمبرمجين والمتخصّصين في الأمن السيبراني والبرمجة التفاعلية والذكاء الاصطناعي والأتمتة والطاقة والتقنيات الصناعية الحديثة. وربّما يكون مستوى الخريجين أقلّ ممّا هو متوقّع، وهذا باب نفرد له مساحةً أخرى عند الحديث عن المناهج وسقوط بعضها بالتقادم.

طبعاً، هذه ليست مشكلة أعداد فقط، إنّها مشكلة تخطيط. فالاقتصاد يتغيّر بسرعة، بينما التعليم لدينا يتحرّك ببطء شديد. شركة اليوم تحتاج إلى مهارات لم تكن موجودةً أصلاً في قوائم التخصّصات الجامعية قبل سنوات قليلة، والذكاء الاصطناعي دخل إلى مجالات الصناعة والخدمات والطبّ والمال والإعلام، والأمن السيبراني أصبح جزءاً من أمن المؤسّسات والدول، والروبوتات والأتمتة تغيّر طبيعة كثير من الوظائف. ومع ذلك، ما زلنا في أجزاء واسعة من عالمنا العربي نتعامل مع التخصّص الجامعي وكأنّه قرار منفصل عن حركة الاقتصاد.

المشكلة الأساسية كانت في التصوّر الذهني للجامعة باعتبارها مطبعةً للشهادات بدلاً من أن تكون جزءاً من منظومة بناء الإنسان والاقتصاد معاً، ثمّ نعود لنسأل: لماذا هاجر شبابنا؟ ولماذا ارتفعت البطالة؟ ولماذا لا تجد الشركات الكفاءات التي تحتاجها؟ والإجابة ليست سرّاً كما نظن. فالعالم لن ينتظرنا حتّى نعيد ترتيب مناهجنا، وأظنّ أنّ جزءاً من الحلّ يبدأ عندما تتوقّف الجامعات عن النظر إلى سوق العمل باعتباره جهةً تأتي في نهاية الطريق لتوظيف خرّيجيها، فالسوق يجب أن تكون حاضرةً منذ البداية في تحديد المهارات وتصميم البرامج والتدريب والمشاريع العملية، وحتّى في تقييم ما إذا كان التخصّص الذي ندرّسه ما يزال مطلوباً أصلاً. فلا يكفي أن نضيف مقرّراً في البرمجة إلى تخصّص قديم ونقول إنّنا حدّثنا التعليم، لأنّ هذا ضحك على الذقون.

لا بدّ من ثورة بيضاء، فنحن بحاجة إلى تغيير أوسع في طريقة التفكير. الطالب الذي يدرس الاقتصاد، مثلاً، يحتاج إلى فهم البيانات والأدوات الرقمية، ومَن يدرس الإدارة سيعمل في بيئة تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، وحتّى التخصّصات الإنسانية نفسها ستتغيّر طبيعة العمل فيها مع الذكاء الاصطناعي. فالعالم المهني لم يعد مقسّماً بالطريقة القديمة بين تخصّصات علمية وتخصّصات أدبية أو إنسانية، الحدود نفسها بدأت تختفي، وهذا ما يجعل استمرار الفجوة بين التعليم واحتياجات الاقتصاد أكثر كلفةً.

لدينا في العالم العربي ثروة بشرية هائلة، ملايين الشباب في مجتمعات فتية، مقابل كهولة مرتفعة في الغرب، وهذه يمكن أن تكون أكبر قيمة مضافة لديه، أو أكبر مشكلة يواجهها العالم العربي. الفرق يتوقّف على نوع التعليم الذي يحصلون عليه، وعلى قدرتنا على تحويل هذه الأعداد من طالبي وظائف إلى أصحاب مهارات، ومنتجين، ومبتكرين. قد لا تكون القضية في إنشاء جامعات جديدة بقدر ما هي في إعادة النظر في الجامعات الموجودة. فنحن نحتاج، فيما نحتاج، إلى تعليم أكثر ارتباطاً بالواقع، وإلى تدريب عملي حقيقي، وإلى مسارات مهنية محترمة لا يُنظر إليها في المجتمع خياراً أقلّ من الجامعة.

الأسواق والاقتصاد لا يعملان بالشهادة المعلّقة، بل بفنّي يعرف كيف يصلّح الآلة، ومبرمج يستطيع بناء النظام، ومتخصّص في الأمن السيبراني يحمي المؤسّسة، ومهندس يعرف كيف يحوّل الفكرة إلى منتَج، وتقني يستطيع تشغيل المعدّات، وصاحب مشروع يعرف كيف يدخل السوق. قد يقول قائل إنّ هذه الوظائف قد لا تحمل دائماً البريق الاجتماعي الذي تحمله بعض الشهادات الجامعية، لكنّها هي التي تحرّك الاقتصاد، وأعتقد أنّ علينا أن نتصالح مع هذه الحقيقة.

ليس عيباً ألّا يدخل كلّ شابّ الجامعة، العيب أن يدخل الجامعة ثمّ يخرج منها غير مستعدّ للحياة المهنية. وهذه ربّما هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها النقاش الحقيقي حول التعليم في العالم العربي. فنحن لا نحتاج فقط إلى مزيد من الخرّيجين، بل إلى خريجين يحتاج إليهم المستقبل.

مقالات ذات صلة