إلى أين تذهب منطقتنا

د. منذر الحوارات

تميزت مرحلة الهيمنة الأميركية بحروب حُسمت عسكرياً، لكنها لم تتحول إلى تسويات سياسية مستدامة، أدى إسقاط الدولة العراقية إلى خلل في التوازن العربي الإيراني، ووسعت الحرب على الإرهاب سطوة الأدوات الأمنية، وسمحت بصعود مليشيات تنافس الدولة،

واستفادت إيران من الفراغ في العراق، والتصدع في سورية، وضعف لبنان واليمن، وإن دفعت ثمن تمددها عزلةً واستنزافاً داخلياً، أما إسرائيل فراكمت تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً، وهيمنة، لكنها لم تستطع تحويله إلى أمن أو قبول إقليمي، رغم الدعم الأميركي.

وفي المقابل، انتقلت دول الخليج من موقع المنتج النفطي إلى مراكز اقتصادية واستثمارية، لكنها بقيت معرضة لمخاطر الحروب وهشاشة الممرات البحرية، وتقدمت تركيا صناعياً ودفاعياً، ووسعت حضورها إقليمياً، وتراجع العراق وسورية إلى ساحتي تنافس، فيما بقيت مصر دولة مركزية تثقلها أعباء الاقتصاد والمياه، وأفريقيا.

ولا تزال ساحات الصراع مفتوحة؛ فالعراق عالق بين الدولة والمليشيات، ورحيل نظام الأسد لم يُنهِ أسباب الانتكاس في سورية، المنهكة اقتصادياً والمحاطة بالتدخلات الخارجية، ولبنان عالق بين استعادة الدولة والنفوذ الإيراني والضغط الأميركي والتهديد الإسرائيلي، واليمن ساحة يتداخل فيها الانقسام بأمن البحر الأحمر وباب المندب، أما فلسطين فلا تفتقر إلى القرارات الدولية، بل إلى إرادة تنفيذها ليحصل شعبها على دولته.

أما الحرب الأميركية الإيرانية، فربما تكون العلامة الفارقة التي ستعيد رسم المنطقة لسنوات طويلة، استخدمت واشنطن الأسلوب الذي تتقنه: القوة وتدمير قدرات الخصم، من دون أن تتضح خطة سياسية لليوم التالي أو طريق واقعي للخروج، وفي المقابل، تمسكت إيران بخطاب الصمود والمواجهة، وتصرفت بمنطق أنها لن تتحمل الخسارة وحدها، فوسعت دائرة الحرب لتطال الخليج، وهددت أمن الطاقة والملاحة، وأغلقت المضيق، وكأن رسالتها تقول:

إذا خرجت إيران محاصرة، ومدمرة، ومثقلة بجراح الحرب، فلا بأس أن يخرج الخليج أيضاً مثقلاً بكلفة موازية، وتعطل الاستثمار والطاقة والملاحة، وهنا لا يعود الصراع مواجهة بين واشنطن وطهران وحدهما، بل يتحول إلى عملية تعميم للخسارة، تدفع فيها شعوب المنطقة من أمنها واستقرارها وفرص تنميتها.

لكن السؤال من فعل كل ذلك؟ هل أخفقت دول الإقليم في بناء منظومة أمن جماعي، وسمحت لخلافاتها وانقساماتها بأن تتحول إلى مداخل للتدخل الخارجي؟ أم توهمت واشنطن أن القوة وحدها تستطيع الحسم، مع أنها أسقطت أنظمة ودمرت منشآت، لكنها لم تبنِ دولة مستقرة؟ أم رأت أن إبقاء أزمات المنطقة تحت سقف مضبوط يمنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة، ويضمن الاعتماد الأمني عليها، ويحمي إسرائيل ويشغل منافسيها؟ ربما تكون الحقيقة مزيجاً من أخطاء الداخل، وفشل السياسة الأميركية، ومصلحتها في إدارة الأزمات.

والمفارقة أن واشنطن تريد التفرغ لمنافسة الصين، لكنها لا تستطيع، أو ربما لا تريد، مغادرة الشرق الأوسط، فطاقة المنطقة وممراتها وأمنها أدوات تأثير في الاقتصاد العالمي، فهل تستخدم المنطقة لتعطيل منافسيها، أم أصبحت أسيرة نتائج سياسات لم تعد قادرة على السيطرة عليها؟
منطقتنا مفتوحة على استنزاف بلا منتصر، أو انفجار يصعب احتواؤه، أو تفاهمات تعيد الاعتبار للدولة الوطنية والتنمية، وأخطر ما يواجهها ليس غموض ما تريده واشنطن وحدها، بل غياب تصور إقليمي لما تريده دولها لنفسها، فما دام الأمن مستورداً، والمليشيات تنافس الدولة، ستظل منطقتنا ساحة تستخدمها القوى الكبرى في إدارة صعودها وتراجعها، والسؤال الحقيقي لم يعد: إلى أين تريد واشنطن أن تأخذنا؟ بل متى تقرر دول المنطقة إلى أين تريد أن تذهب؟

مقالات ذات صلة