كيف اخترقت إسرائيل القارة الأفريقية؟

عبد الحميد صيام

حرير- لم يكن يتخيل أحد أن يأتي يوم تقوم دولة افريقية مثل أوغندا بنصب تمثال تذكاري لجوناثان نتنياهو، أحد مجرمي الحرب الصهانية، شقيق مجرم الحرب المُدان بنيامين نتنياهو، الذي قتل في مدينة عنتيبي عندما حاول تخليص الرهائن الإسرائيليين من أيدي ثوار الجبهة الشعبية عام 1976، حيث استشهد الثوار جميعا بعد خدعة ومؤامرة دنيئة شارك فيها الجيش الأوغندي، لكن بعد مقتل قائد العملية. ففي يوم 3 أغسطس أزيل الستار عن تمثال نتنياهو الأخ، وكأنه أحد أبطال تحرير القارة الافريقيىة من الاستعمار. ولو قبلنا بهذا المنطق من أوغندا لأمكن وضع تمثال لبيك بوثا في جنوب افريقيا وتمثال لجاك ماسو في الجزائر وتمثال لغراتسياني في طرابلس.

هذا هو الزمن العربي الرديء الذي تراجع فيه التأثير العربي في القارة الافريقية التي شهدت بعد حرب أكتوبر 1973 موجة قطع علاقات جماعية من معظم دول القارة بعد قيام الرئيسين هواري بومدين ومعمر القذافي وبدعم من ياسر عرفات بإقناع معظم الدول الافريقية بقطع علاقاتها مع إسرائيل.

تغيرت الأحول فهناك الآن نحو 47 دولة افريقية تعترف بإسرائيل من بينها المغرب ومصر والسودان وتشاد وجنوب افريقيا، وهناك علاقات متينة مع عدد من الدول الافريقية، خاصة في مجال تدريب الجيوش والتعاون المخابراتي، وزيارات نتنياهو للقارة تأتي في المرتبة الثانية بعد زياراته للولايات المتحدة. وقد طرح نتنياهو شعارا يقول: عودة إسرائيل إلى افريقيا وافريقيا إلى إسرائيل، ويجري تنفيذه بشكل متواصل دون كلل أو ملل في غياب التأثير العربي. وعلى رأس الدول المتعاونة مع إسرائيل نيجيريا وأوعندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا وكاميرون. بعض هذه الدول تعتبر أن الوصول إلى قلب واشنطن يمر عبر أحضان تل أبيب.

بداية العلاقات

في بداية الخمسينيات وبعد قيام الكيان، كانت المقاطعة العربية شاملة، خاصة في عهد القائد جمال عبد الناصر. وما كان يجري من اتصالات بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل كان يتم في منتهى السرية. إسرائيل آنذاك قررت أن تقيم أوسع وأمتن العلاقات مع دول الجوار الثلاث المعادية لعبد الناصر: إيران الشاه وتركيا العسكر وإثيوبيا هيلاسيلاسي. وكانت هذه الدول معادية للقومية العربية من جهة ولنظام ناصر المعادي للاستعمار وأذنابه في المنطقة، وعلى استعداد أن تتعاون مع كل من يزعزع ذلك النظام. توسعت علاقات إسرائيل في القارة الافريقية، خاصة مع نظام الأبرثهايد في جنوب افريقيا وكانت الدولتان تجريان مناورات مشتركة وتبادل بحوث وخبرات عسكرية وتكنولوجية، خاصة في مجال الطاقة النووية. كان التعاون بين جهاز الموساد والسافك الإيراني على أشده في المجالات كافة، بما في ذلك تصفية معارضي النظام وتعذيبهم. أما مع تركيا فكان هناك تبادل الخبرات العسكرية والتدريب والتعاون في كل المجالات العسكرية والاستخباراتية. أما إثيوبيا فقد نسجت إسرائيل علاقات متينة منذ البداية في المجالات العسكرية والاستخباراتية والتجارة البحرية في البحر الأحمر وموضوع المياه ونهر النيل. وقد لعبت إسرائيل في ما بعد دورا مهما في إنشاء وتطوير سد النهضة الذي ألحق ضررا استراتيجيا بمصر.

أما بالنسبة للقارة الافريقية، فكان المدخل الإسرائيلي للاختراق تقديم المساعدات الزراعية والفنية والصحية عبر تبادل المنافع، خاصة في مجالات التدريب ونقل التكنولوجيا والتجارة. كان الهدف الرئيسي هو كسر العزلة المحيطة بها. واختارت إسرائيل العمل بشكل خاص مع الدول التي كانت على خلاف مع مصر مثل إثيوبيا وكينيا وغانا وأوغندا ونيجيريا والكونغو. في كينيا مثلا برز التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن وحماية المنشآت، خصوصا بعد الهجمات التي استهدفت مصالح وأهدافا إسرائيلية وغربية. كما طورت إسرائيل علاقات مع أوغندا وتنزانيا ورواندا وغيرها، مستخدمة مزيجا من التكنولوجيا والزراعة والأمن والتجارة.

تراجع ثم انطلاق

بعد حرب أكتوبر 1973 وقيام عدد كبير من الدول الافريقية بقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، فوجئ الأفارقة بأن مصر، وهي إحدى أهم دول الصراع، قد عقدت صفقة سلام مع إسرائيل. تبع ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي ثم قيام منظمة التحرير بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 والأردن لحق بالركب ووقع اتفاقية وادي عربة عام 1994. فتحت هذه التطورات بوابات افريقيا للكيان الإسرائيلي وانطلق الكيان يخترق الدول واحدة بعد الأخرى بينما كان النزاع بين الدول العربية على أشده. انفتحت لإسرائيل طرق التجارة والتعاون الأمني والعسكري وبدأت السفارات تفتح الواحدة بعد الأخرى، دون أدنى اعتراض حتى من منظمة التحرير الفلسطينية. وهنا دخلت شركات السلاح الإسرائيلة على الخط وأصبحت تغذي الدول الافريقية وتقدم لهم الخبراء العسكريين والأمنيين. وانتشرت تلك الشركات في كل أرجاء القارة ما دون الصحراء. حتى جنوب افريقيا التي لا تنسى تعاون إسرائيل مع نظام الأبرثهايد اعترفت بإسرائيل وفتحت لها سفارة. قدمت إسرائيل لتلك الدول خبراتها في مجال التدريب العسكري، والاستخبارات ومراقبة الحدود وحماية الأشخاص وتصيد المعلرضين وصولا إلى عصر استخدام الطائرات المسيرة والأمن السيبراني وأجهزة التنصت والتجسس. وأصبحت إسرائيل سادس دولة تنافس على استحواذ الأسواق الافريقية بعد الولايات المتحدة وفرنسا والصين وروسيا وتركيا.

كما استخدمت إسرائيل كذلك منبر الأمم المتحدة لتحسين علاقاتها بالقارة الافريقية والعمل على تفتيت وحدة افريقيا في التصويت بشكل شبه إجماعي لصالح القضية الفلسطينية. وبدأت بعثة إسرائيل لدى الأمم المتحدة بمبادرة ترتيب زيارات للسفراء الأفارقة للكيان، لإطلاعهم على الرواية الإسرائيلية المزورة. وقد رحب العديد من السفراء الأفارقة بهذه الدعوات التي بدأها السفير داني دانون ثم جلعاد إردان. وكان الزوار الافارقة يعاملون بمنتهى الترحيب وتقدم لهم أرقى الخدمات وأثمن الهدايا. لقد زاد عدد السفراء الذين شاركوا في هذه الزيارات أكثر من 80 سفيرا غالبيتهم من الأفارقة. مثلا نظم جلعاد إردان، يوم 9 نوفمبر 2021 دعوة للسفراء الأفارقة للقاء سيفان يعار، صاحب مبادرة إسرائيلية أطلق عليها «إنسانية» لمد يد العون للقارة الافريقية بهدف ربط 2000 قرية افريقية بشبكة مياه نظيفة ومصادر طاقة نظيفة متجددة. وقد لبى الدعوة 25 سفيرا افريقيا، ما يعادل أكثر من نصف دول القارة جنوب الصحراء. لقد نجحت إسرائيل في تحويل تلك العلاقات التي بدأت إنسانية وسياسية إلى علاقات اقتصادية ثم عسكرية وأمنية. لقد نجح هذا الاختراق الذي وصل ذروته في العقد الأخير إلى تحقيق مجموعة مكاسب أساسية لإسرائيل:

– تحسين صورتها في افريقيا؛

– زيادة عدد الدول الافريقية التي تقيم علاقات معها:

– زيادة الدعم الافريقي في المؤسسات الدولية مثل الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان؛

– تفتيت الكتلة الافريقية الموحدة التي كانت تقف مع الحق العربي ضد إسرائيل.

لقد وصلت الثقة الإسرائيلية في أصدقائها الافارقة، بمن فيهم بعض الدول العربية، بأن تتقدم بطلب الانضمام لعضوية المراقب في الاتحاد الافريقي عام 2021 وبتآمر من موسى فقي، رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي ووزير خارجية تشاد السابق. لكن القرار أثار اعتراضات قوية من الجزائر وجنوب افريقيا وجمد الانضمام. لقد انكشف عوار النظام العربي بعد اتفاقيات التطبيع وحرب الإبادة على غزة. فبينما تحقق إسرائيل العديد من الاختراقات من الهند شرقا إلى الأرجنتين غربا، مرورا بالقارة الافريقية تراجع العرب قوة وهيبة وتأثيرا ووقفوا عاجزين أمام بوابة رفح المغلقة غير قادرين على إدخال قارورة ماء للمحاصرين المجوعين. لعل ما يجري الآن في منطقة الخليج يبشر بصحوة حقيقية نرى أولى مظاهرها في اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.

مقالات ذات صلة