
لبنان غدا… بين نهاية نظام وولادة آخر
بيير لوي ريمون
حرير- في فترة من الفترات، كان قد لفتني هذا العنوان ،الذي اختاره زميل لأحد دواوينه الشعرية: « مسافات حب»، وكان هذا العنوان قد أثار في خاطري سلسلة من التساؤلات تحاول إقامة علاقات بين الحب والمسافة. كيف يمكن ان يتجسد حب حقيقي على الرغم من تباعد المسافات؟ هل يكون الحب حقيقيا أصلا بين الكيلومترات، أين مكانه.. بل هل له مكانة؟ وفي النهاية، هل لحب بهذا الشكل «المسافي» وجود غير وجود الخيال؟
مرت سنوات، ومرت معها خواطر شعرية وغير شعرية، لكن بقي التفكير في المسافات وما قد تحققه من إنجازات وتخلفه من معوقات، فبات هذا التفكير يصول ويجول في ذهني، هو وترجماته الممكنة على أرض الواقع.
حضر أرض الواقع الجيوسياسي كشأنه الأسبوعي في هذا المقال، هذه المرة في صورة لبنان. وما أن راجعت المعطيات التي جمعتها منصبا اهتمامي على محادثات روما الأخيرة، حتى خطر على بالي موضوع المسافات مجددا، بعد أن لاحظ، بجدية تامة موقع «لبنان نيوز» الصادر بالفرنسية، في مقال يحمل عنوان «روما، مركز جديد للمفاوضات في جنوب لبنان»، انتقال المفاوضات (وقد وصلت إلى جولتها السابعة…)، من الناقورة، موقع «آليات التسيير الدائمة تحت مظلة اليونيفيل»، إلى «فضاء استراتيجي للتفاوض». قد يردّ قائل، إن المفاوضات فشلت، وإن القصف عاد من جديد، بل في الواقع إنه لم يتوقف أصلا. لكن لا بد، في هذه الحالة، من النظر إلى أبعد، بمنظار هيكلي يؤصل المسلسل التفاوضي، في نسق بعيد المدى ذي خصوصيات مختلفة تجذره في مسار دبلوماسي.
دعونا هنا نتحدث عن المحور الإيطالي الذي بالكاد نسمع عنه في معرض الحديث عن الدبلوماسية الأوروبية، إذا ما استثنينا موضوع الهجرة، هذا على الرغم من كون إيطاليا تمثل في الحالة اللبنانية محورا دبلوماسيا يختلف عن المحور الفرنسي التاريخي، الذي تريد كل من إسرائيل وأمريكا حشره في الزاوية. فلإيطاليا مشاركة متواصلة ومؤصلة في اليونيفيل وعلاقاتها بالعواصم المعنية علاقات متواصلة: بيروت، تل أبيب، واشنطن، عواصم الاتحاد الأوروبي، وتمتاز إيطاليا كونها لا يمكن اتهامها بـ»ملكية» ولا «حصرية: القطب التفاوضي الذي تديره .
وهنا أملي، أملي في قيام قطب تفاوضي وازن آخر يتناول المسألة اللبنانية، ويتمتع بقدر من الحياد، بما يوفر أرضية لنهج دبلوماسي متميز يعيد طرح الملفات العالقة والشائكة: حصرية السلاح برفض أي وجود عسكري منفصل عن الدولة، انسحاب أي قوات خارجية لفائدة جيش نظامي وطني، الذهاب نحو تشكيل حدود مرسومة مستقرة واضحة تمثل ركيزة لبناء نظام جديد في جنوب لبنان.
الحدود، كلمة إشكالية ومركزية ومفصلية، فهي تعيدنا إلى بدايات قصة لبنان الحديث، عبر مفهوم الخط الفاصل الذي يضرب جذوره في هدنة الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، التي ستفتح الباب أمام منعرج محوري يفرق بين تعليق الصراع وتحقيق السلام.
وما بدء الاحتلال الإسرائيلي في لبنان سنة 1978 سوى انطلاقة لتجسيد إشكالية الإشكاليات، أي تحول جنوب لبنان عبر خلق اليونيفيل ومقرها الناقورة تحديدا، إلى «نقطة عبور عسكرية ودبلوماسية» دائما، حسب تعبير «لبنان نيوز» الوجيه. ويمكن اعتبار قصة الخطوط الفاصلة في جنوب لبنان «قصة داخل القصة» إلى حد بعيد، لكونها آلية أساسية من آليات قياس ثبوت الاستقرار من عدمه.
بالكاد نتحدث عن وظيفة الخط الفاصل في الصراع بين لبنان وإسرائيل، فيما المفروض أن نشدد، هنا على المستوى التجريدي التنظيري، لا من زاوية تحقيق المقاصد المتوخاة، على دوره الرقابي. فقد رسمت الأمم المتحدة الخط الأزرق أصلا لمراقبة الانسحاب الإسرائيلي من مواقع جغرافية محورية: النقاط البرية، المزارع، الجبال، الطرقات، المشارف.. تمهيدا لنشر جيش وطني يكتب مستقبلا أمنيا جديدا يضع نقطة النهاية لمهمة اليونيفيل. وكونه يمثل آلية للمراقبة في النزاع، يشكل الخط الفاصل بدوره قصة «آلية داخل الآلية»، الآلية الموصوفة بالثلاثية التي يشكلها لبنان واليونفيل من جهة، والجيش الإسرائيلي من جهة أخرى.
هكذا إذن قصة الخط الفاصل والآلية، وفي المجمل، قصة الناقورة التي يجب أن تضاف إليها حدود فاصلة أخرى، هذه المرة أثبتت نجاحها: إنها الحدود البحرية التي تمكن لبنان وإسرائيل من تحقيق ما سمي بالحل التوفيقي التقني الضامن لمناطق اقتصادية حصرية تتيح استغلال الموارد الغازية. غير أن مقاربة هذا المحور كمثيله من المحاور الأخرى التي ذكرناها بقيت مراقبة تقنية فعلا، ما يجعل من الناقورة موقعا، دائما حسب عبارة «لبنان نيوز»، «تدار منه الأعراض دون تناول جذور الأزمة». لكن اختيار روما يمنح نقلة.. نقلة نوعية، أعيد وأكرر، لعلك تستغرب قارئي العزيز من هذا الكلام كون محادثات روما الأخيرة، لم تفض إلى تقدم ملموس، لكن «التقدم الملموس» وأفضل هذه العبارة على عبارات «الفشل» يتطلب وقتا عندما يتم إدخاله في بيئة سياسية جديدة. لأن صفحات جديدة هي التي يكتبها لبنان. صفحات جديدة بقدوم رئيس جديد، وقدوم رئيس وزراء جديد معه، وحكومة جديدة تجديدية أعلنت أيضا عن رغبتها في إلقاء الضوء على كل ملابسات انفجار السادس من أغسطس/آب 2020.
لهذا أرى بوارق أمل، وليس بارقة أمل فقط، في التقدم بملف الجنوب، بارقة أمل في التقدم بملف الانسحاب ونشر الجيش، كما أرى بارقة أمل في إلقاء السلاح بإتمام اتفاق سياسي بين المعنيين، فالكل يعلم أن لا تسوية يمكن أن تكون ولا أن تقوم من دون خروجها من عباءة الاتفاق السياسي الداخلي.
الانسحاب من القرى، استقرار المواقع العسكرية، عودة النازحين، إنهاء موضوع مزارع شبعا، دمج حزب الله النهائي في الطبقة السياسية.. كلها ملفات ينبغي عدم النظر إليها بوصفها ملفات الأمس، تفاقم من بطء تنفيذ رهانات اليوم، بل يجب إرساؤها في براديغما جديدة (محور جامع جديد) تتحدد على أساسها الهوية الجديدة السياسية للبنان غدا.



