صلاح في الدوري التركي… صفقة تتجاوز حدود الرياضة

إحسان الفقيه

حرير- لم تعد رياضة كرة القدم مجرد تنافس بين فريقين في المستطيل الأخضر يستمتع به الجمهور، وإنما تجاوزت هذه القيمة لتصبح واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة، وتتقاطع وتتداخل بقوة مع السياسة والاقتصاد، وصار يُنظر إلى اللاعبين المتميزين على أنهم ثروة قومية.

تابع العالم أجمع ذلك الانتقال الأسطوري للاعب المصري الشهير محمد صلاح إلى نادي طرابزون التركي، سبقه تناول إعلامي واسع النطاق عن الجهة المحتملة للنجم العربي، بعد أن أنهى مسيرته مع نادي ليفربول الإنكليزي.

لم يكن أحد حتى اللاعب نفسه، يتوقع ذلك الاستقبال من قبل جماهير ولاية طرابزون، ولا بذلك الاهتمام الإعلامي، بل على صعيد الرموز الرسمية للدولة، فقد كان استقباله استقبال الفاتحين.

وصول صلاح إلى الدوري التركي، لا أنظر إليه باعتباره صفقة رياضية لنادي طرابزون، لكنه يتخطى هذا التوصيف، إلى كونه صفقة للدولة التركية نفسها، تستثمره كقوة ناعمة في مجال السياحة والتسويق وصناعة الصورة، وجذب اهتمام العالم العربي والغربي. لا أجزم أنه كانت هناك تحركات على مستوى القيادة السياسية لإتمام الصفقة، ولكن لا شك في أن تركيا أمام أرباح وفوائد محتملة جمة بدأت إرهاصاتها فور الإعلان عن الصفقة. لنا أن نتخيل صورة الدوري التركي بعد ضم أحد أبرز مشاهير اللعبة، ففي مصر 120 مليون مصري، معظمهم كانوا يشجعون نادي ليفربول الإنكليزي، فقط لأن صلاح يلعب لصالحه، وهناك ملايين من العرب كذلك كانوا يشجعون ليفربول للسبب نفسه، بل من الشعوب الأجنبية نفسها، هؤلاء جميعا من المنتظر أن ينتقل اهتمامهم، أو اهتمام أعداد كبيرة منهم إلى متابعة الدوري التركي، خاصة أنه من المنتظر أن يكون اللاعب بداية لتوافد لاعبين ذوي شهرة عالمية، على غرار تجربة اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو في الدوري السعودي، ما جعله من الدوريات القوية المعروفة على الساحة. من الخطأ الظن أن الاهتمام سوف يتحول إلى نطاق المستطيل الأخضر، فالهوس الكروي لشعوب العالم سوف يحول انتباههم واهتمامهم إلى اللغة التركية، والعادات التركية، والثقافة التركية، والفن التركي، وسيكون بمثابة نافذة على الحياة التركية خاصة السياحة، التي ينظر إلى أنها سوف تنشط بصورة قوية في ولاية طرابزون التركية خاصة. وهذا بالضبط ما يجعل صلاح قوة ناعمة محتملة لتركيا، فالجماهير المصرية والعربية التي ستتابع مبارياته، ستتابع بالضرورة مدينة طرابزون، والمشاهد الذي لم يكن يعرف شيئا عن البحر الأسود، قد يبدأ البحث عن المدينة. والمشجع الذي لم يكن يتابع الدوري التركي قد يجد نفسه يتابع مبارياته. والمتابع الذي كان يعرف تركيا من إسطنبول وأنطاليا قد يضيف طرابزون إلى خريطته الذهنية.

إنها عملية تسويق غير مباشرة، لكنها في عصر الاقتصاد الرقمي أكثر أهمية من الإعلانات التقليدية. اللاعب العالمي لم يعد مجرد لاعب؛ إنه منصة توزيع إعلامية متنقلة. كل صورة له بالقميص التركي، وكل منشور على حساباته، وكل هدف، وكل مقابلة، وكل رحلة يخوضها مع فريقه، يمكن أن تتحول إلى محتوى عالمي يحمل اسم النادي والمدينة والبلد.

الثقافة التركية التي تسعى تركيا لتصديرها في المحيط العربي، والصورة الذهنية التي تريد أن ترسمها في الوجدان العربي، استنادًا إلى العوامل الدينية والتاريخية، سوف تسهم في صناعتها هذه الصفقة وبقوة.

تركيا تعرف جيدا قيمة كرة القدم كأداة لتوسيع الحضور الثقافي. كرة القدم التركية ليست مجرد صناعة رياضية محلية؛ إنها قناة اتصال مع ملايين المشاهدين في العالم العربي والبلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا.

وعلى الرغم من أن أندية تركيا أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على جذب نجوم عالميين وتحويل صفقات اللاعبين إلى أحداث إعلامية تتجاوز حدود الدوري، إلا أن محمد صلاح يضيف شيئا مختلفا، فهو شخصية عربية ذات تأثير استثنائي في الغرب وفي العالم الإسلامي وفي إفريقيا، ولذلك فإن وجوده في تركيا يفتح أمام البلاد مساحة رمزية واسعة، خصوصا أن تركيا تسعى منذ سنوات إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية قادرة على مخاطبة الشرق والغرب في آن واحد. وتزداد قيمة هذه المعادلة لأن تركيا تقدم نفسها كاقتصاد سياحي وتجاري وثقافي يريد الوصول إلى الأسواق العربية. وصلاح بحكم مسيرته وجمهوره، يقف عند نقطة تقاطع بين هذه الأسواق، ومن ثم فإن الاستثمار في حضوره يمكن أن تكون له قيمة تسويقية أوسع من حدود كرة القدم نفسها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاهتمام السياسي بالصفقة، الذي ظهر في اهتمام رئيس بلدية أراكلي التابعة لولاية طرابزون الذي اقترح على اللاعب الحصول على قطعة أرض لتكون ملاذا مستقبليا له من متاعب الاحتباس الحراري، إضافة إلى تصريحات من قبل وزراء عن انتقال صلاح إلى الدوري التركي، ولم يكن السفير التركي بمصر بمعزل عن هذا الحدث، والذي علق على الاستقبال الحافل لصلاح في تركيا، وأنه يعكس التقارب الثقافي والإنساني بين البلدين.

تركيا تراهن على ما هو أكثر من قدم صلاح اليسرى وأهدافه، بل تراهن على أن يكون جزءا من معادلة أوسع في استخدام الرياضة لتعزيز المكانة الدولية وصناعة الصورة، وعلى ما يمثله وزن اللاعب في المدرجات، وعلى ملايين المشاهدات، التي ستعيد اكتشاف ولاية طرابزون، التي اختفت وراء بريق إسطنبول، وعلى الأسواق التي يمكن أن يصل إليها اسم اللاعب قبل أن تصل إليها أي حملة تسويقية تقليدية، وعلى قدرة كرة القدم مرة أخرى على القيام بما تعجز السياسة والاقتصاد أحيانا عن فعله: خلق علاقة عاطفية مباشرة بين الناس والمكان.

قد يرى البعض في هذا الطرح مبالغة في قيمة اللاعب، وأنا هنا لا علاقة لي بالمستوى الفني، وإنما أنطلق من قراءة واقعية لتأثير كرة القدم، خاصة إذا كان اللاعب بهذا الحجم وبهذه الشهرة، إلى الحد الذي جعله من معرفات وطنه مصر تماما كأهراماتها ونيلها.

مقالات ذات صلة