
العراق أمام معادلة دقيقة
محمود الريماوي
حرير- بدا المشهد، قبل أيّام، أشبه بمناوشات عسكرية بين السعودية والعراق، وهو تطوّر مفزع، إذ انزلقت الأمور بسهولة إلى استهدافات متبادلة في عمق البلدَين. غير أنّ هذا الانطباع يلامس المظهر الخارجي لأحداث يومَي الاثنين والثلاثاء الماضيين، فالمناوشات مع فصائل تتبع “الحشد الشعبي” أو تتعاون معه، بادرت بالتعدّي، وليست مع العراق. فقبل يومين من زيارة مقرَّرة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض، أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة حاولت استهداف منشآت نفطية في الأراضي السعودية، مشدّدة على انطلاق هذه الطائرات من الأراضي العراقية، وأنّ “مليشيات إرهابية تابعة لإيران” أطلقتها. وبينما بدا هذا الحدث جزءاً من التداعيات المستمرّة للحرب الأميركية الإيرانية، المتقطّعة والمتواصلة في الوقت نفسه، فإنّ استهداف السعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية لم يكن حدثاً معزولاً أو الأوّل من نوعه. فقد أعلنت الرياض، في 17 مايو/ أيّار الماضي، اعتراض ثلاث مسيّرات قادمة من الأجواء العراقية استهدفت منشآت نفطية، بينما نفت بغداد آنذاك علمها بها. وإلى جانب الاستهدافات من أراضٍ عراقية، تعرّضت السعودية مرّات عديدة لتعدّيات أعلنت مسؤوليتها عنها جماعة الحوثي في اليمن.
الإشارة إلى الصدمة باستشعار تطوّر مفزع بين البلدَين الجارَين مردّها أنّ العلاقات الثنائية شهدت تحسّناً مطّرداً في السنوات القليلة الماضية. فقبل أقلّ من ثلاثة أسابيع، زار وفد عراقي برئاسة وزير الخارجية فؤاد حسين الرياض يرافقه وفد أمني ودبلوماسي ضمّ مستشار الأمن القومي ورئيس جهاز المخابرات الوطني. غير أنّ هذه الزيارة، على أهمّيتها، لم تنجح (كما يبدو) في تبديد القلق السعودي، إذ نفى الوفد الزائر انطلاق هجمات من الأراضي العراقية باتجاه السعودية، فيما عرض مسؤولون سعوديون على الوفد مسار طائرات انطلقت من العراق. ثمّ جاء اعتداء الأحد الماضي (26 يوليو/ تموز 2026)، وما نجم عنه من ردّ سعودي أميركي عنيف طاول مناطق في عمق العراق، واستهدف مواقعَ ومعسكراتٍ ومخازنَ أسلحة لـ”الحشد الشعبي” في سبع مناطق متفرّقة، وأدّى إلى سقوط نحو عشرة قتلى في صفوف الحشد، وستّة من عناصر الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى سقوط جرحى. كما أدّى ذلك إلى تأجيل زيارة الزيدي التي كانت مقرّرةً الأربعاء الماضي.
وأثارت هذه التطوّرات أصداءً قويةً لدى الحكومة العراقية والمجتمع السياسي، فقد عقّب زعيم التيّار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، على الغارات بالقول: “على المليشيات المنفلتة عدم إعطاء ذريعة لقصف العراق”، ودعا حكومة بلاده إلى ضبط الأمن وفرض السيادة. وبينما دانت الحكومة ما حدث من استهداف، شدّدت على التزامها حسن الجوار والحرص على العلاقات الراسخة مع الرياض.
في المحصّلة، تعكّرت بشدة، في هذه الآونة، العلاقات، بينما كان البلدان يتّجهان إلى تطوير العلاقات وتفعيل المجلس التنسيقي بينهما. ومسؤولية هذه الانتكاسة لا تقع على الحكومة السعودية، كما لا تقع بالكامل على الحكومة العراقية، ذلك أنّ مصدر هذه التوتّرات يكمن في ما سمّاه الصدر “المليشيات المنفلتة”، وفي ما لم يقله الصدر عن الارتباط الوثيق بين هذه المليشيات والحرس الثوري الإيراني، ليتمحور وجودها وأنشطتها في خدمة السياسات والمصالح الإيرانية حصراً، وهو ما ينعكس سلباً على الدولة العراقية ومصالحها، وعلى صورتها بوصفها صاحبة الولاية على البلاد والعباد.
وقد سبق للأردن أن أعلن التصدّي لمحاولات اعتداء مصدرها مليشيات عراقية تتبع إيران. والخشية الآن أن تتكرّر هذه التعدّيات على دول الجوار، وتطلق سلسلة من ردّات الفعل المتعاقبة وفقاً لنهجٍ إيراني يقوم على توسيع دائرة الاستهدافات، والسعي إلى زجّ مزيد من الأطراف في هذه الحرب. وما يسهم في الحدّ من هذه المخاوف ما تبديه الحكومة العراقية، وبخاصّة في عهد رئيسها الشابّ علي الزيدي، من حرص على عدم الانجرار في هذه المواجهات تحت أيّ شعار كان، وهو ما يقتضي حُكماً المضي في سياسة حصر السلاح بيد الدولة، وكذلك حصر قرار السلم والحرب في الدولة ومؤسّساتها. وفي ضوء ما وقع أخيراً من توتّرات مقلقة بين الرياض وبغداد، تتجدّد القناعة بأنّ وجود مليشيات ولائية (بحسب التسمية العراقية) تتبع دولة أخرى وتأتمر بأوامرها، وتمارس أنشطة خطيرة ذات طابع عسكري خارج الحدود، بات يهدّد الأمن الوطني ويمسّ مصالح العراق في بناء أفضل العلاقات مع دول الجوار والمحيط العربي، علاوة على ما تؤدّي إليه الأنشطة الداخلية لهذه المليشيات من مساس بمكانة الدولة وبالنسيج الاجتماعي المحلّي.



