إيران وحرب الاستنزاف الأوسع

حرير- لم يكذّب الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» خبرا، وأنهى سريعا أياما من الهدنة الهشة، أعقبت ما قد تصح تسميته «حرب الأسبوعين» على إيران، بعد «حرب الأربعين يوما» منذ 28 فبراير/شباط 2026، وبعد «حرب الإثني عشر يوما « أواسط العام 2025، وكلها جرت بدفع من «بنيامين نتنياهو» رئيس وزراء العدو الإسرائيلي الذي اجتمع مع «ترامب» على نحو غامض قبل ثلاثة أسابيع من «حرب الأربعين يوما»، ولم تصدر وقتها تصريحات صحافية عن «ترامب» ولا عن «نتنياهو»، ثم بان مع بدء الحرب نهاية فبراير/شباط 2026، أن «نتنياهو» عمل «البحر طحينة» في ذهن «ترامب»، وأقنعه بأن الإسرائيليين والأمريكيين بصدد حرب أيام قليلة في إيران، وأن النظام الإيراني سينتهي تلقائيا بعد قطع رأس المرشد ومعاونيه الكبار من القادة العسكريين الإيرانيين، وقتها اقتنع «ترامب»، ونزل إلى مستنقع حرب إيران، الذي لم يخرج منه رغم مرور أكثر من خمسة شهور، وكلما توقع البعض أن الحرب سننتهي أو انتهت، وتم ترتيب خطة التسوية ذات الستين يوما بعد توقيع «ترامب» الاحتفالي لمذكرة التفاهم، وفي التطبيق القصير جدا، تبين للرئيس الأمريكي العشوائي، أنه تعرض لخديعة نصوص قابلة لتأويلات من المفاوضين الإيرانيين. صدرت عن «نتنياهو» تصريحات امتعاض من المذكرة الإيرانية ـ الأمريكية، وراوغ «ترامب» قليلا، ثم أنهى التزامه بالمذكرة في قمة «الناتو» التي عقدت في «أنقرة»، وأراد أن يجرب حظه العسكري مجددا، وشن قصف الأسبوعين الأعنف، ومن دون أن تبدو علامة ضعف أو تراجع على موقف الإيرانيين.

ورغم شيوع أفكار رغائبية من نوع اتساع خلافات «ترامب» مع «نتنياهو»، فإن الأخير عاد لتأكيد سطوته على تصرفات «ترامب»، وذهب إلى البيت الأبيض للمرة الثامنة في رئاسة «ترامب» الثانية، وحمل معه تقارير جديدة لجهاز «الموساد الإسرائيلي»، وأراد إقناعه باستئناف الحرب على إيران، وتدمير الموقع النووي الأخطر تحت «جبل الفأس» بالذات، الذي يقال إن إيران نقلت إليه كمية يورانيوم التخصيب العالي بأكثر من الستين في المئة. ويبدو أن «ترامب» يفضل تقارير «نتنياهو» على تقارير المخابرات الأمريكية نفسها، وعجل بإجراءات إنهاء المصادقة على تعيين صديقه «جاي كلايتون» مديرا للاستخبارات الوطنية، التي تشرف على عمل أجهزة المخابرات الأمريكية، وبالتوازي، قرر إنهاء الهدوء الهش على جبهة إيران، وانتقل بالقصف هذه المرة بعيدا عن محيط «مضيق هرمز»، وبدأ بقصف مدينة «بيرانشهر» شمال غرب إيران، وعلى حافة مناطق الأكراد في إيران، ربما ليمهد لبدء عملية برية، لا يقوم بها الأمريكيون هذه المرة، بل تعتمد على «خطة إسرائيلية» لتسليح جماعات كردية إيرانية، ودفعها من منطقة «كردستان» العراقية إلى الداخل الإيراني.

ربما الجديد أن الحرب قابلة لاتساع غير مسبوق هذه المرة، وقد بانت بوادره في دخول أطراف جديدة إلى القتال بصورة نشطة، وعلى طريقة ما يجرى من تجدد صدام الحوثيين مع السعودية، ثم قصف الأخيرة بالمشاركة مع الأمريكيين لقوات ومراكز «الحشد الشعبي» والفصائل الموالية لإيران في العراق، ورسم صورة حربية سائبة منفلتة، تتورط فيها كل الأطراف الموالية أو المخاصمة لإيران، وهو ما يبدو مواتيا أكثر للتصورات «الإسرائيلية»، التي تفضل إشعال حرب استنزاف بلا نهاية بين أطراف عربية وإيران وحلفاء إيران، وهو ما يتوالى على المسرح الحربي للأسف، ومن دون مصلحة محققة للأطراف العربية المعنية ولا لإيران، التي أخطأت مرات في توجيه بوصلتها الحربية الرئيسية، وكفت منذ فترة عن توجيه ضرباتها الصاروخية تجاه «رأس الأفعى» في كيان الاحتلال، مع أنها سبق أن بادرت مرة بالهجوم على كيان الاحتلال، والأجدر بها أن تبادر بالهجوم على كيان الاحتلال ابتداء، لا أن تنتظر ضربات «إسرائيلية» حتى ترد عليها. والمؤكد عندنا، أن «إسرائيل» ستعود إلى قصف إيران مباشرة، خصوصا مع اقتراب وقت الانتخابات «الإسرائيلية» الجديدة، التي لا يبدو «نتنياهو» مطمئنا إلى فوزه فيها، ويرى في إشعال الحرب من «غزة» إلى «الضفة الغربية» إلى «لبنان» إلى «إيران» كما لو كانت خشبة إنقاذ و»سفينة نوح»، تحمله مع أنصاره الأكثر تطرفا ودموية إلى أغلبية في «الكنيست» المقبل.

وعودة إلى حرب إيران وإسقاط نظامها، التي يعتبرها «نتنياهو» قضية عمره السياسي، ومع جولات الحرب المتتابعة، فإن الحقيقة الأصلية تظل قائمة، فالحرب الجارية وما سبقها، هي بالتأكيد حرب «إسرائيلية» جرت وتجري بجيوش أمريكية بينها جيش كيان الاحتلال نفسه، وفشل الجولات السابقة، لا يعني أن الحرب غير قابلة للتجدد، بل العكس هو الصحيح، وليس أمام إيران بعد تصحيح أخطاء بوصلتها القتالية، إلا أن تستعيد «البوصلة» الأصح، وأن ترمى نيرانها في المرمى «الإسرائيلي» مباشرة، ففي كيان الاحتلال أخطر قواعد أمريكا في المنطقة، ثم أن كيان الاحتلال نفسه هو أكبر قاعدة أمريكية في الدنيا كلها، والخطاب الذي أرسله مؤخرا المرشد الإيراني «مجتبى خامنئي» إلى قيادة «حزب الله»، وأكد فيه دعمه لمقاومة مجاهدي «حزب الله»، واعتبرها سياسة استراتيجية ثابتة، وتأكيده وقوف إيران ضد «ظلم الإدارة الأمريكية وجورها وجرائم الصهاينة الذين يعيثون في الأرض فسادا، ويهلكون الحرث والنسل»، وأنه «لم يبق أمام الأحرار سبيل سوى الجهاد والمقاومة»، كما جاء في نصوص رسالة «السيد مجتبى»، وأفضل سبيل لترجمة النصوص إلى واقع، أن تضع إيران كيان الاحتلال ومدنه ومنشآته وقواعده وبنيته التحتية في عين النار عاجلا لا آجلا .

نعم، ليس لإيران ولا لصالحها، أن تتوه «البوصلة»، ولا أن تنهك قواها في مسارب جانبية، والمطروح عليها اليوم، كما في جولات سبقت، أن تواصل الصمود الحربى المذهل، فليس من مفاوضات جادة ولا شبه جادة في الأفق القريب، والعدو الأمريكي «الإسرائيلي» يريد استسلاما كاملا غير مشروط من طهران، ويريد محوا لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليس بسبب لونه الفكري والعقدي، ولا بسبب مشروعه النووي والصاروخي وحده، بل لأن إيران وقفت نقيضا لكيان الاحتلال «الإسرائيلي»، وتقف اليوم حجر عثرة ضد اتفاقات «أبراهام» التطبيعية في صورها المختلفة، ولم تكن مصادفة، أن «ترامب» قال مرارا أن تعميم «اتفاقات أبراهام» هو علامة نصره في الحرب ضد إيران، وهي الداعم الحصري لجماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالذات، فلو كان في إيران نظام موال للأمريكيين ولكيان الاحتلال، ما مانعوا أبدا في حصوله حتى على السلاح النووي، وهنا مربط الفرس وأصل القصة الدامية، فإزاحة إيران الراهنة من الطريق، هو شرط جوهري لتمكين «إسرائيل» من الشرق الأوسط كله عربا وعجما .

وما من أحد عاقل، يصح له أن يستهين بضراوة الحرب «الإسرائيلية» الأمريكية على إيران، ولا بضرائب الدم وخسائر الاقتصاد الفادحة التي دفعتها وتدفعها إيران، لكن إيران صمدت كما لم يتوقع الأعداء ولا الأصدقاء، وكان حجر الزاوية في صمودها هو الشعب الإيراني نفسه، الذي وقفت كتله الشعبية الغالبة سندا لنظام الحكم، وبدا ذلك ظاهرا في التدفق المليوني الرهيب الذي صاحب مراسم تشييع الشهيد السيد «علي خامنئي»، فقد كان ذلك أوسع استفتاء على شعبية النظام، إضافة إلى شعور الإيرانيين جميعا، أن إيران الدولة ذاتها في خطر قد يؤدى إلى التفكيك، وبما دفع جماعات وشخصيات معارضة إلى الاصطفاف في الخندق ذاته مع النظام و»الحرس الثوري» والجيش الإيراني، وليس لأن النظام كف عن قمعه العنيف، وأصبح ديمقراطيا حاميا للحريات.

ولا بأس أن يخطئ «نتنياهو»، وأن يخطئ «ترامب» معه، وأن يتورطا في خطايا حساب فادحة، فالقوة العمياء لا ترى الحقيقة التي لا ترغبها، وكان ذلك سببا إضافيا في ثبات النظام الإيراني، وإثبات جدوى عقائده في المواجهة، فالحرب أو الحروب التي فرضت على إيران، هي من نوع الحروب غير المتكافئة أو غير المتناظرة، وهي حروب عرفتها المنطقة متتابعة عبر نحو ثلاث سنوات مضت، ونهاياتها المكررة واحدة تقريبا، فالعدو الذي يبدو أقوى عسكريا وتكنولوجيا واستخباراتيا بما لا يقاس، لا ينتصر أبدا ولا يحقق أهداف حروبه، بينما القوة المقاومة المقابلة لا تنهزم أبدا، ولا تخرج من حلبات القتال، وهي تثبت في كل مرة أنها قادرة على جعل الهامش المعنوي في الحروب متنا أكثر اتساعا، وعلى سحب الاختلال في موازين القوى المادية إلى الهامش، إضافة لتفوقها على عدوها في القيم الثقافية الإنسانية الكبرى، وأهمها قيم «الاستشهاد» المقدس، واحتمال التضحية والصبر على المكاره بغير حدود، وتلك ذخائر لا تنفد مهما طالت حروب الاستنزاف، بينما ذخائر العدو مهما ملك قابلة للنفاد.

مقالات ذات صلة