
من انتظار المستقبل إلى صناعته في العالم العربي
طلال أبو غزالة
حرير- في كلّ دورة تاريخية، اختارت أمم أن تراقب التحوّلات الكُبرى من علاماتها الصُّغرى، وفضّلت أخرى أن تكون جزءاً من صناعتها، وكان لها هذا. والفارق بينهما لم يكُن يوماً في الموارد أو الإمكانات، على أهميتها، بل في القدرة على رؤية مقبل الأيّام والاستشراف والاستعداد لها قبل أن تصبح أمراً نافذاً. ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، لا يذكر التاريخ من عاشوا في الماضي وكان منجزهم الأكبر التعامل مع حاضر أو ماض، بل أولئك الذين أمسكوا بأَزِمَّة المستقبل وعضّوا عليها بالنواجذ حين كانت مجرّد أفكار غير مكتملة.
وكما في كلّ دورة تاريخية، يقف العالم اليوم أمام تحوّلات كبرى تُعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والمعرفة، فهناك البرمجة التفاعلية المسمّاة “الذكاء الاصطناعي”، والتقنيات الرقمية، والصناعات المتقدّمة، وإنترنت الأشياء، والأشياء الذكية، وهذه كلّها ليست أدوات جديدة، بل عوامل وعوالم ستحدّد موقع الدول في النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة. ودائماً ما يقفز إلى ذهني سؤال مهمّ بالنسبة إلى عالمنا العربي: هل سنكتفي باستخدام هذه التقنيات بعد أن ينتجها الآخرون، أم سنعمل في بناء القدرات والكفايات التي تمكّننا من المشاركة في صناعتها؟
ربّما دقّت الحرب الوحشية على قطاع غزّة، وانفجارات أجهزة البيجر في صفوف عناصر من حزب الله، ومن ثمّ الحرب على إيران، نواقيس الخطر بأنّ امتلاك التكنولوجيا ليس خياراً، بل جزءٌ من عناصر المنعة، والقوة الاقتصادية، والأمنية، والاستقلالية. وغالباً، وكما شهدنا سابقاً، الدول التي تمتلك المعرفة والمهارات والقدرة الإنتاجية هي التي ستحدّد اتجاهات المستقبل، بينما ستجد الدول التي تعتمد على الاستخدام والاستيراد نفسها في موقع المتلقّي دائماً. حتّى أوروبا، ومع التحوّلات العميقة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تنامى إدراكها لضرورة تعزيز القدرات الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي. ولنأخذ مثالاً بسيطاً هو القرار الفرنسي بتحويل أجهزة الحاسوب في المؤسّسات الحكومية من نظام ويندوز إلى نظام لينكس، بهدف تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية. إذا كانت هذه أوروبا، فأين نحن؟
الحديث عن صناعة المستقبل ذو شجون، وقطعاً لا تبدأ من المصانع وحدها، ولا من شراء أحدث الأجهزة، بل من الإنسان. فكلّ تحوّل اقتصادي أو تقني يحتاج قبل كلّ شيء إلى عقول قادرة على التعلّم، ومؤسّسات قادرة على التطوير، وبيئة تشجّع على الابتكار وتحوّل الأفكار إلى مشاريع. وأثبتت تجارب دول عديدة أنّ النهضة لا تأتي من مورد واحد، بل من منظومة متكاملة تجمع بين التعليم الحديث، والبحث العلمي، والصناعة، وريادة الأعمال، والتخطيط طويل الأمد، والدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تنتظر ظهور الفرص، بل عملت على توليدها.
من هنا، أقول إنّ العالم العربي يحتاج اليوم إلى الانتقال من ثقافة متابعة الإنجازات العالمية إلى ثقافة المشاركة فيها، فنحن أمّة تمتلك عناصر مهمّة يمكن البناء عليها من موقع جغرافي مميّز، وثروات بشرية واسعة، وشباب يمتلك الطموح والقدرة على التعلم، لكنّ هذه العناصر تحتاج إلى مشاريع تحوّلها إلى قيمة اقتصادية ومعرفية. وربّما يكون التحدّي الحقيقي في القدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسّسات ومشاريع مستدامة، فكم من فكرة عظيمة بقيت حبيسة النقاش لأنّها لم تجد البيئة التي تنقلها من الورق إلى الواقع. ولهذا أرى أنّ عالمنا العربي في حاجة إلى مزيد من المشاريع التي تربط المعرفة بالإنتاج، والتعليم بالمهارة، والتكنولوجيا بالتنمية، وقطعاً لا أقصد مشاريع تكتفي بإعداد مستخدمين للتقنيات الحديثة، بل تبني أشخاصاً قادرين على تطويرها وتوظيفها في التصدّي لمشكلات العصر ومواجهتها.
الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون أولى الأولويات الاستراتيجية، فالمصنع الحديث يحتاج إلى مهندس ماهر، والاقتصاد الرقمي يحتاج إلى متخصّصين، والابتكار يحتاج إلى بيئة تشجّع على التجربة والتعلّم، وكلّ تأخير في بناء هذه القدرات يعني فجوةً أكبر مع عالم يتحرّك بسرعة. وفي هذا السياق، المبادرات التي تسعى إلى بناء منصّات تعليمية رقمية، وتطوير المهارات التقنية، وإنشاء صناعات تكنولوجية محلّية، تمثّل خطوات في الاتجاه الصحيح؛ لأنّها تنقل الإنسان من موقع المستهلك إلى موقع المشارك والمنتج، وليس بالضرورة أن نقلّد تجربة دولة بعينها، فلكلّ مجتمع خصوصيته وظروفه، وإنّما أن نتعلّم من التجارب الناجحة مبدأ أساسياً: أنّ التنمية تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وإلى مؤسّسات تعمل اليوم من أجل نتائج ستظهر غداً.
ولعلّ أحد الدروس التي تعلّمتها من مسيرتي أنّ الأفكار لا تكتمل إلا عندما تجد طريقها إلى الواقع، فالإيمان بأهمّية المعرفة، أو الحديث عن ضرورة امتلاك التكنولوجيا، لا يكفيان، لأنّ الأمم لا تتقدّم بالشعارات، بل بالمشاريع التي تُحوّل الرؤية إلى أثر ملموس. ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرات مثل “بوليتكنيك طلال أبوغزالة العالمي الرقمي” محاولةً عملية للإجابة عن سؤال يواجه منطقتنا والعالم: كيف ننتقل من تعليم يواكب الحاضر إلى تعليم يصنع القدرة على المستقبل، وكيف نمنح الشباب الأدوات التي تمكّنهم من المشاركة في الاقتصاد الجديد بدل الاكتفاء بمتابعته. لكن هذه التجربة ليست غايتها أن تكون نموذجاً وحيداً، بل مثالاً على أهمّية أن تطلق المجتمعات العربية مشاريع جريئة في التعليم والتكنولوجيا والصناعة، لأنّ المستقبل لن يُبنى بمبادرة واحدة، وإنّما بتراكم آلاف المبادرات التي تؤمن بأنّ الإنسان العربي قادر على الابتكار إذا توافرت له البيئة المناسبة.
والأمر نفسه ينطبق على الصناعة التقنية؛ فحين تُنتج أجهزة تحمل شعار “صنع في الأردن” أو “صنع في مصر” أو “صنع في قطر” أو “صنع في الكويت” أو…، فإنّ القيمة لا تكمن في المنتج وحده، بل في الرسالة التي يحملها بأنّ المنطقة العربية قادرة على الانتقال من سوق للاستهلاك إلى مساحة للإنتاج والمشاركة.
لقد كان طريق الحرير في الماضي مثالاً على قدرة المنطقة على أن تكون جسراً بين الحضارات والاقتصادات، ويمكن للعالم العربي اليوم أن يستعيد هذا الدور بصورة جديدة، لا من خلال موقعه الجغرافي (على أهمّيته)، بل من خلال المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. ولا أميل مطلقاً إلى التشاؤم أو القنوط، فالفرصة أمامنا كبيرة، لكنّني أعرف تماماً أنّ الفرص لا تنتظر طويلاً، وأنّ الأمم التي تصنع مستقبلها هي التي تبدأ بالعمل قبل أن يصبح المستقبل حاضراً.



