المطلوب فلسطينياً لمواجهة تحول الاستعمار الاستيطاني إلى الفاشية

مصطفى البرغوثي

حرير- لن تكون جريمة الاحتلال ومستوطنيه الإرهابيين في قرية تل في محافظة نابلس في الضفة الغربية أمراً عابراً. إذ جسّدت في الواقع التحول النوعي الذي تمر به إسرائيل، التي نشأت من خلال مشروع استعمار استيطاني إحلالي، من الاستعمار العنصري إلى الفاشية.

ما جرى في تل كان تلخيصاً لكل ما يجري في الضفة الغربية طوال السنوات الماضية، استيطان استعماري منفلت من عقاله، ومحصّن بالكامل من أي عقوبات عربية أو دولية، وصل إلى حد نشر أكثر من 500 مستعمرة وبؤرة استيطانية تحاصر وتخنق القرى والمدن الفلسطينية، وتستولي بالسرقة الوقحة والسافرة على أراضيها، ومياهها، ومواردها الطبيعية وأجوائها، بل تغتصب بالكامل حيّزها الجغرافي. وعصابات إرهابية منظّمة تشنّ يومياً ما لا يقل عن 15 هجوماً على القرى والمدن الفلسطينية، تحرق البيوت والمركبات، تقتلع الأشجار، وتدمّر الممتلكات، وتهجّر التجمعات السكانية بقوة السلاح، محاولة أن تكرر ما قامت به عصابات الإرهاب الصهيونية، مثل الهاغاناه وشتيرن وايتسيل عام 1948 لتنفيذ النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني. واليوم يمتزج المستوطنون وجيش الاحتلال، ويحملون أسلحته ويوظفونه ليس فقط لحماية أعمالهم الإرهابية، بل والمشاركة فيها. والحديث عن عصابات إرهاب يقودها ويمولها وزراء مستوطنون فاشيون، من أمثال بن غفير وسموتريتش، بدعم كامل من رئيس وزراء إسرائيل المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بنيامين نتنياهو.

لم يعد الأمر يقتصر على عشرات آلاف المستعمرين المستوطنين، بل عما لا يقل عن 850 ألف مستعمر يشكلون قاعدة سياسية كبيرة، لحكومة الإبادة الجماعية، ويسيطرون على مواقع قيادية كبرى في جيش الاحتلال، مثل قائد المنطقة الوسطى، ورئيس جهاز الشاباك، وغيرهم، ويتحالفون مع أركان التطرّف العنصري التلمودي، كوزير جيش الاحتلال كاتس، ونتنياهو نفسه.

ويجري هذا كله تحت عنوان “حسم الصراع” الذي يردّده الوزراء والقادة الإسرائيليون، فما الذي يقصدونه بالحسم في مواجهة بين أكبر وأقوى جيش في المنطقة يمتلك أحدث الأسلحة والقنابل النووية، ويتلقى دعماً غير محدود من الولايات المتحدة، وأجهزة استخباراتية تفتش كل شارع وبيت وهاتف وصوت في الضفة الغربية، وبين سكان مدنيين عزل يعيشون تحت الاحتلال مع سلطة مجردة بالكامل من صلاحياتها وعاجزة عن توفير أي حماية لهم.

الحسم في العرف الإسرائيلي استكمال مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بضم الضفة الغربية، بما فيها القدس، وسلب أراضيها، وتهويدها والضغط بكل الوسائل لتحقيق الهدف النهائي بتهجير سكانها وسكان قطاع غزة وتطهيرهم عرقياً.

التحول الذي جرى في بلدة تل أن كل المنظومة الإسرائيلية انتقلت من الخنق، والحصار، والتدمير وسرقة الممتلكات إلى أُسلوب القتل المباشر للفلسطينيين، أي الإرهاب بالاغتيال والقتل. ولتبرير هذا، انبرى الإعلام الإسرائيلي للحديث عن “عمليات إرهابية فلسطينية”، وأعلن بدء “عملية عسكرية” واسعة في الضفة الغربية. والغرض من استخدام كلمة “عملية عسكرية” تكرار التزوير الإعلامي الذي استخدم في الانتفاضة الثانية وما تلاها، أن ما يجري في الضفة الغربية حرب، أو صراع عسكري بين جيشين، لإخفاء حقيقة أن ما يجري قمع وتنكيل جيش وعصابات إسرائيلية إرهابية لشعب أعزل يعيش تحت الاحتلال.

وذلك كله يؤكد ما استُنتِج بسكوت غالبية المجتمع الإسرائيلي وتأييدها للإبادة الجماعية في غزّة، والآن للإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية. بانتقال المنظومة الإسرائيلية بكل مكوناتها من العنصرية الاستيطانية إلى الفاشية في مشهد لم نرَ مثله منذ صعود النازية في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، التي ذهب ضحيتها مئات الملايين من البشر بمن فيهم، ويا للمفارقة، يهود جرت تصفيتهم خلال الهولوكوست الإجرامي.

سمعتُ كثيراً من الاقتراحات بعد جريمة تل من متحدثين فلسطينيين لمواجهة كارثة الاستيطان، ومنهم الدعوة إلى توفير حماية دولية عبر مجلس الأمن، مع علم المتحدثين أن الولايات المتحدة لن تسمح بهذا الأمر، وستستخدم الفيتو الأميركي ضده من دون تردّد. وعبّر كثيرون عن الضيق المبرّر من التقاعس العربي والدولي إزاء ما تقوم به إسرائيل وإرهابيوها. كذلك لاحظ الجميع أن إسرائيل تستغل إنشغال العالم والإعلام بما يجري في الخليج العربي والحرب على إيران، لتوسيع جرائمها ضد الفلسطينيين. ولكن ذلك وحده لن يعالج المشكلة، وعلاجها يبدأ من البيت الفلسطيني نفسه، والاعتماد على النفس قبل البحث عن إسناد الآخرين.

ولعل أفضل تجربة نضالية شعبية خاضها الشعب الفلسطيني كانت الانتفاضة الأولى، التي جسّدت الأدوات الثلاث التي يبدو الشعب الفلسطيني بأمسّ الحاجة لها، الاعتماد على النفس، تنظيم النفس، وتحدّي (ومقاومة) إجراءات الاحتلال وإرهاب المستوطنين، مع تعزيز صمود الفلسطينيين وبقائهم في وطنهم، وهو العامل الحاسم في إفشال مخطّط الإرهاب الاستيطاني.

لكن النضال الفلسطيني لم يكن لينجح لولا وجود قيادة وطنية موحّدة توافقت على رؤية استراتيجية كفاحية مشتركة.

وهذا بالضبط ما يحتاجه الشعب الفلسطيني اليوم، قيادة وطنية موحّدة على استراتيجية وطنية كفاحية تتصدّى لمخاطر الاحتلال والإرهاب الاستيطاني، بالاعتماد على النفس، وتنظيم الذات وانتزاع زمام المبادرة على الصعيد الدولي أيضاً، بالمطالبة بالمقاطعة والعقوبات الشاملة على المنظومة الإسرائيلية ومستوطنيها التي لم تترك قانوناً دولياً دون خرقه.

وذلك يتطلب ثلاثة أمور أساسية جرى التهرب منها طوال السنوات الماضية: أن تتوافق قيادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية على مبدأ تشكيل القيادة الوطنية الموحدة والانخراط فيها مع جميع القوى الفلسطينية الفاعلة. أن نتخلى عن أوهام أوسلو الذي فرضته إسرائيل، وأوهام الحل الوسط مع الحركة الصهيونية وتوافق على الانخراط في استراتيجية وطنية نضالية موحّدة، آليتها الرئيسية في هذه المرحلة المقاومة الشعبية. التخلص من العقيدة الأمنية التي فُرضت على السلطة الفلسطينية، والتي بموجبها على الفلسطينيين توفير الأمن لمن يحتلونهم دون أن يكونوا قادرين على حماية شعبهم وأنفسهم من ذلك الاحتلال، ومستعمريه المستوطنين.

لن يرحل الفلسطينيون مهما فعل الاحتلال، فقد تعلموا من تجاربهم عامي 1948 و1967، ولكنهم جديرون بأن يُستجاب لمطالبهم بتشكيل قيادة وطنية موحدة على برنامج موحد، وهم يستحقون أن ترتقي القيادات السياسية الفلسطينية إلى مستوى تضحياتهم، وتتجاوز حالة العجز المؤسفة التي تدور في غياهبها.

مقالات ذات صلة