حين ابتعدت الكاميرا… ظهر وجه فلسطين

يحيى بركات - مخرج وكاتب سينمائي

يحيى بركات

ليست هذه حكاية مصطفى البرغوثي.
إنها حكاية كاميرا بدأت من وجه رجل، ثم ابتعدت قليلًا… فاكتشفت أن المشهد أكبر من الرجل، وأن القضية لم تكن يومًا شخصًا، بل وطنًا كاملًا يتأمل صورته في المرآة.

كان المشهد مألوفًا.
رجل يقف أمام منصة دولية، يتحدث عن غزة. عن الأطفال الذين صاروا أرقامًا، وعن البيوت التي صارت غبارًا، وعن شعب يواجه واحدة من أكثر الحروب وحشية في تاريخه.

لم يكن يعرف أن المعركة الحقيقية لن تبدأ بعد أن يغادر المنصة…
بل بعد أن يغادر كلامه سياقه.
ثوانٍ قليلة اقتُطعت من خطاب طويل.
ثم انطلقت.
لم تعد الكلمات تخص صاحبها.
صار كل فريق يسمع فيها ما يريد أن يسمعه.
وفجأة، لم يعد السؤال:
ماذا قال مصطفى البرغوثي؟
بل أصبح:
من هو مصطفى البرغوثي؟
وهنا تغيّر الفيلم كله.
لم تعد القضية كلمة.
ولا جملة.
ولا حتى خطابًا.
أصبحت القضية تاريخ رجل.
وطنيته.
ونواياه.
وحقه في أن يجتهد.

حين عدت أستمع إلى الخطاب كاملًا، اكتشفت أن ما قاله لا يشبه ما قيل إنه قال.
كان يتحدث عن شعب يواجه حرب إبادة، وعن آلاف الأطفال الذين قُتلوا، وعن مجتمع لم يستسلم رغم محاولة اقتلاعه. لكن مقطعًا قصيرًا خرج من سياقه، وأصبح هو النص كله، بينما اختفى المشهد الذي سبقه ولحقه.

هل أخطأ في اختيار بعض المفردات؟
ربما.

وهل يحق للناس أن تناقشه؟
بكل تأكيد.

فالسياسة ليست نصًا مقدسًا، ولا أحد فوق النقد.

لكن منذ متى أصبح الخطأ في التعبير دليلًا على الخيانة؟

ومتى تحولت المراجعة إلى محكمة؟

لقد استمعت أيضًا إلى منتقديه.

بعضهم قال إن أي حديث قد يُفهم على أنه حديث عن انتصار لا ينسجم مع حجم المأساة التي تعيشها غزة.

وبعضهم رأى أن السياسي مطالب اليوم بأن يزن كل كلمة، لأن كلمة واحدة قد تتحول إلى سلاح ضده.

هذه آراء يمكن مناقشتها.
بل ينبغي مناقشتها.

لكن ما لم يعد مفهومًا هو القفزة المفاجئة من نقد جملة… إلى إعدام صاحبها.

من مناقشة خطاب… إلى محاكمة تاريخ.

ومن الاختلاف مع رأي… إلى التشكيك في وطنية رجل أمضى عمره كله في الدفاع عن فلسطين.

هنا لم يعد النقاش سياسيًا.
أصبح شيئًا آخر.

أعرف مصطفى البرغوثي منذ سنوات طويلة.

قد أختلف معه في تحليل.
وفي تقدير.
وفي موقف.
وربما في طريقة قراءة مرحلة كاملة.

لكنني لا أستطيع أن أختلف مع تاريخه.

فالرجال لا يُقاسون بجملة عابرة…
بل بالأعمار التي أنفقوها وهم يحملون القضية فوق أكتافهم.

ما أقلقني في هذه الحملة ليس مصطفى.
بل ما رأيته خلف مصطفى.

شعرت وكأن أحدهم يجرب سلاحًا جديدًا.
اليوم على مصطفى.

وغدًا…
على أي اسم آخر.
كاتب.
أستاذ جامعة.
أسير محرر.
طبيب.
فنان.
أو حتى شاب يكتب رأيًا مختلفًا على صفحته.

إذا نجح هذا الأسلوب مرة…
فلماذا لن يتكرر؟
ومن سيبقى بعد ذلك؟
هل سنصل إلى مرحلة يصبح فيها كل رأي مختلف مشروعًا لحملة تشهير؟

وكل اجتهاد تهمة؟
وكل سؤال دليل إدانة؟

جيلنا تربى على شيء مختلف.
كنا نختلف حتى تكاد الخلافات تعصف بكل شيء.

اختلفنا حول خطة روجرز.
واختلفنا حين أعلن أنور السادات عزمه زيارة القدس.
واختلفنا داخل فتح، وداخل منظمة التحرير، وداخل الفصائل، وحتى داخل الغرفة الواحدة.
كانت الأصوات ترتفع.
والبيانات تشتد.
والاجتهادات تتصارع.
لكن أحدًا لم يكن يفكر في إحراق تاريخ الآخر.
لم يكن أحد يفتش في وطنيته.
كان الخلاف جزءًا من الحياة السياسية.
بل جزءًا من حيوية الثورة نفسها.

كنا نردد عبارة تبدو اليوم وكأنها آتية من زمن آخر:
“الخلاف غابة أفكار… والوحدة تحت البنادق.”
يا لها من جملة.

الغابة…
ليست شجرة واحدة.
ولا لونًا واحدًا.
ولا طريقًا واحدًا.

الغابة تعيش لأنها تسمح لكل الأشجار أن تنمو.
أما حين تبقى شجرة واحدة…
فهذا ليس غابة.

هذا حقل أُزيلت منه الحياة.
أخشى أن تكون المشكلة أعمق من مصطفى البرغوثي.

أخشى أننا ننتقل، بصمت، من ثقافة الثورة…
إلى ثقافة الإلغاء.
ومن الصراع بين الأفكار…
إلى الصراع على حق الآخرين في التفكير.
وهذه ليست علامة قوة.
فالذي يثق بفكرته يناقش الفكرة.
أما الذي يخاف منها…
فيحاول إسكات صاحبها.

في السينما، هناك لقطة يعرفها كل المخرجين.
تبدأ الكاميرا قريبة جدًا من وجه شخص واحد.
ترى تجاعيده…
ارتباك عينيه…
ونبرة صوته.
ثم تبدأ بالابتعاد ببطء.
يتحول الوجه إلى جسد.
والجسد إلى شارع.
والشارع إلى مدينة.
ثم تواصل الكاميرا صعودها…

فتكتشف أن ما حسبناه قصة رجل، لم يكن سوى تفصيل صغير داخل مشهد أكبر بكثير.
هكذا رأيت ما جرى مع مصطفى البرغوثي.
كلما ابتعدت الكاميرا عنه…
رأيت فلسطين.
لا فلسطين الرجل…
بل فلسطين التي كانت، طوال تاريخها، أكبر من فصائلها، وأكبر من قياداتها، وأكبر حتى من خلافاتها.

رأيت شعبًا صنع ثورته لأنه امتلك شجاعة السؤال…

لا لأنه امتلك شجاعة التصفيق.

ورأيت وطنًا كانت قوته دائمًا في تعدد أصواته، لا في صوت واحد.

فالأنهار لا تتكون من جدول واحد.

والغابات لا تنبت من شجرة واحدة.

والأوطان لا يحرسها رأي واحد.

ولهذا لم أخف على مصطفى البرغوثي.

فالرجال الذين أمضوا أعمارهم في خدمة وطنهم لا تهزهم عاصفة على وسائل التواصل.

ما أخافني هو شيء آخر…

أن نستيقظ يومًا فنكتشف أن آخر مساحة للاختلاف أُغلقت بصمت.

وأن آخر نافذة كان يدخل منها الهواء إلى العقل الفلسطيني قد أُغلقت خوفًا من سؤال.

عندها…

لن يكون مصطفى البرغوثي هو الخاسر.

ولا الذين هاجموه.

ولا الذين دافعوا عنه.

سيكون الخاسر هو فلسطين نفسها.

فالثورات لا تموت حين يهزمها عدوها…

بل حين تبدأ بأكل أصواتها.

وحين يصبح الخلاف جريمة.

والاجتهاد تهمة.

والتفكير مخاطرة.

عندها لن نكون قد خسرنا رجلًا…

سنكون قد خسرنا أجمل ما في الثورة الفلسطينية.

أنها، رغم كل ما مر بها، كانت تعرف أن الطريق إلى الحرية لا يُعبَّد بالطاعة…

بل يُفتح دائمًا بغابةٍ من الأفكار… وبوطنٍ يتسع للجميع.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
7/7/2026

مقالات ذات صلة