
تأملات في أولويات فلسطين الراهنة: بين الانتخابات وكارثة التهجير
محمد مشارقة
رغم أنني مع المشاركة في أي انتخابات تشريعية ورئاسية وبلدية، وتجديد شرعيات النقابات والمؤسسات والمجتمع المدني بصورة ديمقراطية، إلا أنني أقف عاجزاً عن اتخاذ موقف من الاستعدادات لانتخابات في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 67. ولهذا، أتعامل بحذر شديد مع مشهد الحالة الفلسطينية الكارثية الراهن، وعاجزاً عن الإجابة على سؤال: ما هي الأولويات الوطنية في الوقت الراهن؟ هل الانتخابات لتجديد الشرعية أم التفرغ لمواجهة كارثة التهجير التي عادت بقوة لتطل برأسها في قطاع غزة؟
هذا العجز ليس ضعفاً في التحليل، بل هو انعكاس لحالة استثنائية غير مسبوقة. ففي غزة، نشهد محاولة إبادة جماعية ممنهجة استهدفت البنية التحتية للحياة بأكملها، وفي الضفة الغربية، حملات تدمير واسعة للمخيمات والقرى وتصاعد استيطاني يرسم ملامح حرب ضم ممنهجة. وفي خضم هذا كله، تعود أفكار التهجير الجماعي إلى الواجهة، ليس كخطاب متطرف، بل كسياسة تُناقش في المحافل الدولية.
وفي قلب العاصفة، تظل حركة حماس معلقة بين مطرقة المطالبة بنزع سلاحها وبنيتها التحتية، وسندان بقائها كتنظيم مسلح، في غياب أي حوار وطني جاد حول موقفها، وهي تفاضل اليوم بين المصلحة التنظيمية وبين مأساة الناس المستمرة، وإذلال الحال، وفقدان الكرامة الإنسانية.
تنشغل النخب بالانتخابات التشريعية المنتظر إجراؤها في نهاية نوفمبر المقبل، وتُصاغ قوانينها ولجانها على مقاس القيادة الحالية، وبعيداً عن أي توافق وطني. وهذا النوع من الانتخابات ليس إصلاحاً، بل أداة لتجديد شرعية قيادة منهكة، وتحت جزمة الاحتلال.
لكن في المقابل، هل المقاطعة خيار أفضل؟ هي تعني تجريد القوى المجتمعية والسياسية من أي حضور مؤسسي، وتسهيل تمرير مشروع التصفية السياسية. هذا المأزق يفسر عجزي عن اتخاذ موقف حاسم؛ فكلا الخيارين قد يكون خطأ.
ما هو مؤكد أن الانشغال بالانتخابات في لحظة تتجه فيها مشاريع التهجير والضم إلى التصعيد، وفي خضم إبادة جماعية، قد يكون انفصالاً عن الواقع، أو هروباً من مواجهة الكارثة الأكبر. فالانتخابات لن توقف حملة التصفية للوجود الفلسطيني على أرضه، ولن تمنع التهجير، ولن تحسم مستقبل وأشكال المقاومة.
ربما تكون الأولوية اليوم هي وقف إطلاق النار في غزة، ومنع أي تهجير قسري، وحماية الضفة من مخططات الضم، وحوار وطني شامل يعيد تعريف المشروع الوطني، ويخرج من إطار أوسلو الفاشل إلى إطار جديد يجمع بين الصمود والبقاء على الأرض والمقاومة والاستراتيجية السياسية.
أخشى أن نناقش الانتخابات كبديل عن مواجهة الكارثة، وليس كجزء من حل شامل لها. وفي زمن تُعدم فيه الحياة، يصبح الحديث عن صناديق الاقتراع ترفاً لا يليق بحجم المأساة.
لعل ما يمكن الاتفاق عليه هو رفض أي انتخابات تكون غطاءً لكارثة، وضرورة العمل على أن تكون أي انتخابات مستقبلية جزءاً من مشروع وطني جديد، في سياق وقف العدوان وحماية البقاء الفلسطيني أولاً. أما اليوم، فالمطلوب هو التركيز على ما هو أكثر إلحاحاً: وقف القتل، منع التهجير، وبناء حد أدنى من الوحدة لمواجهة الكارثة.



