اللعب على أسواق المال

د. صبري صيدم

حرير- تستفيد جيوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن حوله من التجار والسماسرة، من تقلبات السياسة، التي يصنعها هو ومن في فلكه، بنسق بات معتاداً لدى رواد أسواق المال والأعمال. فصباح الإثنين يكون لترامب موقف ما بخصوص إيران، لينقلب مساء الجمعة إلى موقف مختلف، فتتراقص على شاشات البورصة أسعار النفط والغاز والعملات والذهب والفضة، وقائمة من المعادن الثمينة بصورة تخدم أولئك المتتبعين لتلك الأسعار، فيبيعون حصصهم تارة ويشترون حصصا جديدة تارة أخرى، وفق نسق بات معتاداً، وبصورة ألفها هؤلاء على مدار أشهر طوال من عمر الأزمة.

فتنطلق في يوم محدد تصريحات التهديد والوعيد ضد إيران، لتصمد على وتيرتها هذه لأيام، ثم تعاود تلك التصريحات الاختفاء لتظهر بدلاً عنها حزمة إعلامية من التطمينات الممهورة بالحديث عن قرب الوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة.

في خضم هذه الوتيرة المتتابعة من التهديد والتطمين، ينضم سماسرة الاحتلال ومن حولهم إلى المنتفعين، من حالة المد والجزر هذه، يبيعون ويشترون وفق تراقص شاشات الأسواق العالمية أيضاً، في مشهد يجسد المقولة الشهيرة: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد.

أمر تطرقت إليه في مقال الأسبوع الماضي بعنوان: لا حرب ولا سلم.. اليوم أفتح هذا الباب لألقي الضوء على هذه الزاوية التي يصبح معها الجشع والطمع أسمى من دماء البشر وحياتهم وحالهم ومالهم. واقع يستثمر في السلاح خدمة لجيوب المنتفعين وتجار الحروب على حساب البشرية، ورخائها وبقائها وتطورها. وواقع يقف بقية العالم معه متفرجاً مهزوماً عاجزاً، لا يملك سوى السكوت والمراقبة. أمراء للحرب يوظفون العلم والتكنولوجيا وما بينهما لخدمة حساباتهم البنكية ومصالح وكلائهم وعائلاتهم، يقابلهم بشر عاجزون يعدون من يموتون أمام النار والقصف والقتل. ما أبشع الحروب، وهي تؤسس للوجع، فتفرق الناس وتخلق نقاطاً جغرافيةً ساخنة لا تهدأ لعقود وقرون تطول! وما أبشع التطّرف والتّعصب والتّزمت، وهم يستولون على عقول البعض ليوظفونه في إذكاء الفرقة والتبعية والموالاة، بينما يستثمر أمراء الحرب في ذلك تمهيداً للوصول إلى الحرب القادمة.

سيرة حياة عاشها البشر جميعاً منذ أن سارت أقدام الإنسان الأول على هذه الأرض، لتتبدل وتتطور مع تطور الإمكانات، لكن الموت يبقى واحداً ووحيداً، لا تؤخره الأديان ولا التكنولوجيا ولا القيم ولا مفاهيم حقوق الإنسان ولا الديمقراطية ولا الحكم الرشيد، ولا مكافحة الفساد ولا غيرها مما عرفه ولم يعرفه البشر بعد. بل يوظف أمراء الحرب هذه القيم مجتمعة وفي كثير من الأحيان، لتبرير الحروب واستدامتها أو يزيحونها جانباً دونما اكتراث أو اهتمام بها.

إن الارتباط العضوي بين بورصة المال وبورصة الموت، لا يشكل سقوطاً أخلاقياً لمن أوجده وحافظ على استدامته فحسب، بل أيضاً سقوطاً أخلاقياً لكل صاحب بأس وقوة، يرى فيسكت عن الظلم لنجد أنفسنا أمام القاتل والمتواطئ في آن واحد.

لقد باتت ألاعيب الحرب مكشوفة بكامل تفاصيلها، ليتبعها هذا الأسبوع الشرط المتكرر من قبل إدارة ترامب والقاضي بربط إنهاء الحرب بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وكأن قدر البشرية المغلوبة على أمرها، إنما يرتبط بإنهاء مشاكل الكون عند أقدام نتنياهو. ومع ذلك ما زال هناك من أشقائنا من تصعب عليه كرامته فيقول لا مهما كلفه الأمر. السؤال اليوم، هل ستضع الحرب أوزارها قريباً امام تآكل الاقتصاد الأمريكي وتراجعه الحاد؟ أم تستمر أرجحة الموازين ومعها أرجحة البورصات؟ ننتظر ونرى!

مقالات ذات صلة