حين يتأخر الكلام… ناصر القدوة وفتح التي تعرف أكثر مما تقول

يحيى بركات - مخرج وكاتب سينمائي

في الأفلام الثقيلة…

ليس أكثر ما يُرعب المشاهد هو صوت الانفجار،
بل الصمت الذي يسبقه.
ذلك الصمت الطويل الذي يجلس فيه الجميع حول الطاولة،
كلٌ يعرف ما يحدث،
وكلٌ يرى التشققات في الجدار،
لكن لا أحد يمد يده ليقول: انتبهوا… البيت ينهار.
هكذا بدا ناصر القدوة في مقابلته الأخيرة على قناة “الغد”.
ليس كرجلٍ يكتشف الأزمة، بل كرجلٍ عرفها طويلًا… ثم قرر الكلام متأخرًا.
في تلك المقابلة، لم يكن ناصر يتحدث كمعارضٍ عابر، ولا ككاتبٍ من خارج المشهد، ولا كناشطٍ غاضب على وسائل التواصل.
كان يتحدث كرجل من داخل “عظام الحركة”، كما يقول الفتحاويون القدامى.
رجل يعرف:
كيف كُتبت خرائط أوسلو،
كيف تشكلت السلطة،
كيف أُديرت المفاوضات،
كيف تمددت مراكز القوة،
كيف تراجع دور منظمة التحرير،
وكيف تحولت “فتح” تدريجيًا من حركة تحرر إلى بنية حكم تحت الاحتلال.
وحين قال إن الانتخابات شابها الترهيب، وإن الديمقراطية غابت، وإن رئيسًا بقي عشرين عامًا بلا انتخابات، لم يكن يقول أسرارًا مجهولة.
كان يؤكد ما يعرفه الناس… لكن بصوت رجلٍ يعرف أكثر من الناس بكثير.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.
المشكلة ليست فيما قاله ناصر.
بل فيما لم يقله… وفي توقيت قوله.
لأن الفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن وصف الأزمة، بل عن: من عرف؟ ومتى عرف؟ ولماذا صمت طويلًا؟
ناصر ليس شخصية هامشية داخل “فتح”.
هو ابن بيتها السياسي القديم، وابن مدرسة ياسر عرفات الدبلوماسية، وابن المطبخ الفلسطيني بكل تعقيداته الدولية والتنظيمية والأمنية.
وحين فُصل من الحركة، كان كثيرون يعتقدون أن الرجل سيخوض معركة سياسية وفكرية حقيقية داخل “فتح” وخارجها.
ليس معركة مقاعد… بل معركة معنى.
لكن ذلك لم يحدث.
حتى تجربته في القائمة الانتخابية للمجلس التشريعي، بدت أقرب إلى رد فعل سياسي على الإقصاء، أكثر من كونها مشروعًا طويل النفس لإعادة تعريف الحركة الوطنية.
ثم عاد.
عاد بعد حديث الرئيس عن “العفو” وعودة المفصولين، لكن العودة نفسها بدت صامتة كغرفة مغلقة.
لم يكتب مراجعة كبرى، لم يفتح نقاشًا عميقًا مع الكادر الفتحاوي، لم يحاول بناء تيار فكري داخل الحركة، ولم يتحول إلى صوتٍ علني يسأل: إلى أين تذهب “فتح”؟ وإلى أين تذهب السلطة؟ وما مصير منظمة التحرير؟
كأن الرجل ظل واقفًا داخل المسافة الرمادية: لا داخل المواجهة… ولا خارجها.
وربما هنا تحديدًا يظهر الفرق بين السياسي الذي يعرف… والسياسي الذي يقرر أن يقول.
لأن المعرفة وحدها لا تكفي.
الشارع الفلسطيني لم يكن يحتاج فقط إلى رجل يفهم ما يجري، بل إلى من يملك شجاعة الكلام قبل اكتمال المشهد.
قبل المؤتمر… لا بعده.
قبل إعادة ترتيب البنية… لا بعد تثبيتها.
قبل أن تتحول الحركة إلى صراع توازنات ومراكز قوة ومخاوف مؤجلة.
في المقابل، بدا توفيق الطيراوي أكثر ضجيجًا.
لوّح بملفات، هدد بكشف المستور، فتح أبواب الخوف داخل البنية نفسها.
ورغم كل الجدل حوله، فإنه نجح في خلق شعور أن هناك من يريد أن يقول شيئًا.
أما ناصر، فرغم ثقله السياسي والفكري، بقي يتحرك بلغة هادئة لا تشبه حجم الانهيار الفلسطيني الجاري.
وهنا يشعر كثيرون بالحيرة.
هل لا يستطيع أن يقول أكثر؟ أم لا يريد؟ أم أن أبناء البنية، مهما اختلفوا معها، يبقون أسرى حدودها النفسية والسياسية؟
لكن ظلم الرجل أيضًا سيكون خطأ.
لأن ناصر ليس ابن مدرسة الانفجار، ولا ابن خطاب الحرق الكامل للمراكب.
هو ابن مدرسة التوازنات، والعمل من داخل البنية، والإصلاح الهادئ، والحسابات الدقيقة.
لكن المشكلة أن الزمن الفلسطيني نفسه لم يعد هادئًا.
غزة تحترق، الضفة تُلتهم، منظمة التحرير تتآكل، السلطة تتراجع، والأجيال الجديدة تنظر إلى السياسة كلها بعين مختلفة تمامًا.
ولهذا لم يعد السؤال: هل يعرف القادة ما يحدث؟
بل: لماذا تأخروا في قول ما يعرفونه؟
وربما لهذا تبدو اللحظة الفلسطينية اليوم أخطر من مجرد مؤتمر “فتح”.
نحن لا نعيش أزمة انتخابات داخلية فقط.
نحن نعيش لحظة اهتزاز عميقة للحركة الوطنية الفلسطينية كلها:
السلطة،
ومنظمة التحرير،
ومعنى التمثيل،
والعلاقة بين التحرر والحكم،
وبين الثورة والإدارة،
وبين التاريخ والواقع.
ولهذا فإن ما نحتاجه الآن ليس مزيدًا من الغضب، ولا مزيدًا من التهاني، ولا بيانات النعي المتسرعة.
ما نحتاجه فعلًا… أن يبدأ قادة “فتح” وكوادرها ومثقفوها بكتابة شهاداتهم السياسية والتنظيمية بصدق وهدوء وشجاعة.
لا نرجسية، ولا تصفية حسابات، ولا لغة البطولة المتأخرة.
بل مراجعة حقيقية:
كيف وصلنا إلى هنا؟
ماذا فعلت السلطة بالحركة؟
كيف تآكلت المنظمة؟
كيف أصبحت الانتخابات تُدار أكثر مما تُخاض؟
وكيف تحولت السياسة الفلسطينية من مشروع تحرر… إلى إدارة طويلة للأزمة؟
لأننا مقدمون على استحقاقات أخطر من المؤتمر نفسه:
انتخابات تشريعية،
ورئاسية،
ومجلس وطني،
وربما إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني كله.
وإذا لم تُفتح الأسئلة الآن… فستُعاد الأخطاء نفسها، لكن هذه المرة على مستوى القضية الوطنية كلها.
في المشهد الأخير من الفيلم…
لا يقف الفلسطيني اليوم أمام سؤال: من ربح المؤتمر؟
بل أمام سؤال أكثر قسوة:
هل ما زال هناك من يملك شجاعة قول الحقيقة… قبل أن يصبح الوطن كله مجرد خبرٍ متأخر.

مقالات ذات صلة