
الأردن في ضجيج «المؤثرين»!
بسام البدارين
حرير- لا يحتاج النقاش في ملف «المؤثرين» خصوصا في الساحة الأردنية إلى كل مظاهر التشنج والتلاوم وتبادل الاتهامات.
ولا يحتاج مشهد الحوار هنا حتى بعدما مال إلى اتجاهات صاخبة وشخصانية إلى تكريس الوقت والجهد للهجوم على شخص وزير محدد في الحكومة يلتزم بواجبه ومارس قدرا مهنيا متزنا من الإفصاح والشفافية عندما عرض الرؤية الرسمية لدور وتأثير شريحة المؤثرين الاجتماعيين ومن على منبر في مؤتمر تقني متخصص.
الهجوم في جذره هنا على الحكومة وليس على وزير الاتصال الذي ينبغي شكره على جهده ومصارحاته دون أن يعني ذلك في طبيعة الحال بأن الحكومة في الموقف الصحيح تماما عندما يتعلق الأمر بملف الأزمة القديمة المتجددة بعنوان غياب أو غيبوبة الإعلام الوطني.
في كل حال بصرف النظر عن الحكومة وأركان الجسم الصحافي ثمة ظاهرة موجودة في الواقع الموضوعي الكوني اليوم إنكارها غير مفيد وغير منتج واستنكارها لا ينطوي على تعويض الفاقد والناقص لا عند الصحافيين والكتاب ولا عند ما تبقى من وسائل الإعلام في البلاد.
مؤسسات الإعلام ذاتها في غيبوبة جراء ظرف موضوعي ساهمت به حكومات الماضي والنقابات عنوانه العريض يفيد بأن الإعلام الأردني في غرفة الإنعاش.
ومغادرة تلك الغرفة تحتاج إلى جرأة في الطرح والتشخيص لا علاقة لها لا بوجود مؤثرين اجتماعيين ولا بدورهم وإنتاجهم ووظيفتهم.
الإعلام البديل – إن شئتم الإعلام الرقمي- تغير وتحول ومشكلة ضعف أذرع الإعلام الوطني الأردني لا يسأل عنها رموز التأثير المحسوبين على منصات التواصل الاجتماعي.
مجددا إنكار أو استنكار تشكل حالة إعلامية جديدة على المستوى العالمي وفي كل المجتمعات اسمها وجود مؤثرين يتحدثون مع الناس بكل بساطة ويؤثرون في سلوكهم وقناعاتهم لا يفيد كل الذين اعترضوا على خطط الحكومة أو على ما قاله وزير الاتصال عن حالة استثنائية تستعين أحيانا بالمؤثرين الاجتماعيين لنفي الشائعات.
المؤثرون الاجتماعيون على شبكة التواصل هم رواد ورموز الإعلام الجديد والبديل، وسواء أعجب الأمر الأطر الإعلامية الكلاسيكية أم لم يعجبها هؤلاء لاعبون أساسيون اليوم في ملعب الخبر والمعلومة والتحليل والشائعة ليس في الأردن فقط بل في كل الدول.
الأفضل السهر والحرص على فهم كيفية الاستثمار المهني والتقني والفني في ما تتيحه الشبكة من أنماط وأساليب بل تأثير من جهة الصحافيين الذين يعترضون على الحكومة لأنها استعانت بالمؤثرين بدلا منهم.
للتذكير فقط استعانة السلطات بالمؤثرين جزئيا بين الحين والآخر قد تكون مفيدة في نفي الشائعة هنا أو هناك لكنها لن تكون إطلاقا كذلك ولن تساعد سلطة القرار عندما يتعلق الأمر بجذر أزمة الرواية والنص في الحالة السياسية والإعلامية الأردنية.
الحكومة قد تكون واهمة إذا قدرت وقررت أن الاستعانة بمؤثرين اجتماعيين يخاطبون شريحة من المواطنين بديل منتج ونافع عن معالجة الأخطاء والثغرات البنيوية ليس في عمق مؤسسات الإعلام الرسمي وأذرعه فقط.
ولكن في صلب ملف الرواية والخبر والمعلومة وعند الإجابة على السؤال المركزي: كيف ومتى تتحدث الحكومة؟
الاستعانة بالمؤثرين خيار سهل وبسيط ولا ينبغي استنكاره أصلا لكنه لا يعالج أزمة النص والسرد الوطنية.
وفي المقابل رفض الاستعانة بالمؤثرين والتشكيك فيهم والتركيز على سطحيتهم لا يعبر عن المدخل الصحيح لفهم ضعف دور أدوات الإعلام المحلية في تطوير ذاتها والأداء وفي دعم وإسناد الالتزام بالجانب العصري المطلوب بعدما اختلفت هوية الإعلام عموما.
أزمة المؤسسات الإعلامية الأردنية يعرفها بعمق غالبية الزملاء، وتبدأ من عند الشفافية باعتبارها قيمة أساسية ثم تعبر من جهة الفارق ما بين المهني والأمني البيروقراطي وتنتهي عند معيقات صناعة الإعلام بما في ذلك تساؤلات التوجيه والتمويل والسيطرة.
تلك الأزمة مستقرة وتجلس بوقار على صدور الإعلاميين المهنيين لكن المؤسسات الصحافية والإعلامية وفي كل صراحة أخفقت في تطوير إمكاناتها والتجاوب مع مقتضيات الإعلام الرقمي والبديل.
ذلك الإخفاق لا يمكن توجيه اللوم للحكومة بسببه فالأسرة المهنية ذاتها هي نجم الإخفاق والتقصير هنا.
لذلك الاستفادة مما يفعله وينتجه المؤثرون أحيانا قد تمثل الجواب على سؤال ما الذي ينبغي فعله؟
وعليه لا يمكن الافتراض بأن الهجوم على الحكومة والمؤثرين معا وفي التزامن هو الطريق الأسلم لاستعادة هيبة ودور الإعلام الوطني.
الحكومات والبرلمانات سبق لها أن ارتكبت جرائم ومجازر تشريعية ضد حريات التعبير والإعلام كان آخرها قانون الجرائم الإلكترونية الحالي سيئ السمعة والصيت ولم نشهد اعتراضات حقيقية من الجسم الصحافي على تقلص هوامش الحرية وتمكن ذلك القانون من الولادة والسيطرة.
الأجدى والأكثر إنتاجية استعادة هوامش حريات التعبير وليس بناء حملات لا معنى لها ضد المؤثرين على الشبكة اجتماعيا وضد حكومة قررت الاستعانة بهم حيث لا تلام ولا يمكنها أن تلام مهنيا على تراكم الأخطاء البصرية.



