
محكمة عوفر: حين تحكي الضحية
حرير- لم أخرج يوم الاربعاء الماضي من بيتي في القدس. كنت منهكا بعد يومي عمل مرهقين: الاثنين في محكمة عوفر العسكرية والثلاثاء جراء سفري إلى رام الله للقاء عمل ضروري.
من ضمن ما قرأت، وأنا أطالع الأخبار، شدّني خبر بدا واضحا أنه يقلق معظم مواقع الأخبار العبرية والمعلقين عليها، ومفاده أن صحافيا أمريكيا اسمه نيقولاس كريستوف، يكتب في جريدة «نيويورك تايمز»، وحائز جائزة «بوليتزر» مرتين، نشر مقالا شاملا، يوم الثلاثاء الفائت، يتهم فيه السلطات الإسرائيلية بتبنيها سياسة ممنهجة لتعذيب الأسرى الفلسطينيين والتنكيل المتعمد بهم؛ ويؤكد في تقريره المعزز بمجموعة شهادات موثوقة، أن عمليات التعذيب شملت اعتداءات جنسية متعمدة ووحشية، وقد نفذت، في بعض الحالات، باستعمال كلاب كانت قد دُرّبت خصيصا لتنفيذ عمليات الاغتصاب هذه.
وصلت مدخل محكمة عوفر العسكرية ظهر الاثنين. تأكدت أنني انتعلت حذائي الملائم. والملائم في حالتي، هو الحذاء المجرب الذي كنت قد عبرت معه في المرات الماضية بوابة الفحص الإلكترونية دون أن تصدر صفيرا، وإلا سأنتظر حافيا حتى يتأكد السجان من براءة حذائي. كذلك تأكدت أنني وضعت ساعة يدي في السيارة، ومعها حزامي ولم يبق معي إلا قلبي الموجوع وهاتفي الذي تحول، في هذا العصر، إلى ما يشبه المكتب المتجول.
ألقى السجان عليّ التحية، وطلب أن أضع كل شيء معي وعليّ في سلة قدمها لي وهو يبتسم، وأضاف: «ضع أيضا ساعتك وحزامك وكل شيء معك». أجبته بأنني جئته «حافيا»، فلا شيء من «المحظورات» عليّ أو معي. دخلت من البوابة مطمئنا إلا أن صوت «مواء» خافت استوقفني. وقفت ناظرا بدهشة نحو السجان الذي صارت بسمته ضحكة وقال:»لا عليك سيّد بولس، إنها نظارتك، لا بأس، أعبر»، أجبته: «إلا هذه، فدونها لن أنجح أن أفرق بين الجميل والقبيح». ضحك وودعني بابهام مرفوعة على قبضة يده.
بعد غرفة التفتيش كان عليّ أن أمشي في مسرب ضيق محاط من جهتيه بأسلاك شائكة، يفضي، بعد عشرات الأمتار، إلى ساحة صغيرة معدة لجلوس عائلات الأسرى الذين يأتون على أمل أن يروا أبناءهم لمدة لا تتجاوز الدقيقة من خلال شاشة الفيديو، شريطة ألا يتحدثوا معهم. في طرف هذه الساحة المحاطة هي أيضا بالاسلاك الشائكة، توجد بوابة علي عبورها لأصل إلى ساحة صغيرة أخرى فيها مبنيان صغيران من باطون، كرفانات، معدّان لجلوس المحامين.
فهمت من زملائي أن بقاء وتجوال المحامين مسموح في الحيّز المعد لهم فقط، فما كان مسموحا لهم قبل السابع من أكتوبر 2023 لم يعد مسموحا؛ والبداية كانت بقلب فرضية اعتُبر وفقها المحامون «أصدقاء المحكمة والعدالة»، لفرضية أنهم صاروا أعداءها. دخلت كرفانا وجلست على طرف كنبة، انتظر بدء سماع قضيتي. «كل شيء تغير عن عهدكم، يا أستاذ»، قالها لي أحد المحامين الشباب وكان يحاول تعزيتي والتخفيف عني «فعنوان المرحلة»، هكذا حاول ذاك المحامي أن يختصر أمامي المشهد بدقة جارحة وقال إنه «الإذلال، إذلالنا كمحامين وإذلال الأهالي وإذلال الأسرى، أو قل إذلال الشعب كلّه» ثم أنهى قائلا: «بيعين الله» وكان، هو وبعض زملائه من المحامين الشباب، يصطفون استعدادا لإقامة صلاتهم داخل الكرفان.
دخلت قاعة المحكمة ممثلا عن ثلاثة متهمين في قضية تعكس تجبّر زمن الذل الذي تحدث عنه زميلي الشاب في الغرفة. ثلاثتهم، شيخ وكهل وشاب، متهمون بعضوية في «مؤسسة إرهابية»، هي في الواقع شركتهم العائلية التجارية العريقة المعروفة على نطاق الوطن وأبعد. لا متسع لسرد الحكاية ولا لتفاصيل المحاكمة، فبدايتها كانت عندما قرر حاكم الأرض المحتلة قبل سنتين أن الشركة تعمل ضد أمن المنطقة وأعلن عن إخراجها خارج القانون رغم أنها شركة عائلية مسجلة لدى دوائر السلطة الفلسطينية. بعد سنة ونصف من إصدار أمر حظرها «ضبط» أصحاب الشركة وهم يعملون في شركتهم الموجودة في منطقة (أ) وسط إحدى المدن الفلسطينية، فسجنهم جيش الاحتلال ووجهت لهم تهمة العضوية في منظمة محظورة.
وقفت أمام ثلاثة قضاة عسكريين لم يتجاوز عمر الواحد منهم ثلاثين عاما، في البداية لم أعرف بأي لغة أحدثهم ومن أين أبدأ، لاسيما والقضية التي أمامهم منسولة كلّها من ثوب العبث الذي لم يعرفوا غيره قماشة في حياتهم. فكّرت مليا، ثم انتبهت إلى أن مسجلة الجلسة كانت توجه إليّ حديثها ولم أسمعها؛ لكنني فهمت أنها كانت تسأل عن اسمي كي تدوّنه في البروتوكول، فأجابتها رئيسة الجلسة: «هذا المحامي بولس» وأردفت، بصوت مسموع، قائلة: «المحامي بولس هو واحد من المحامين القدامى الذين يعملون في المحاكم العسكرية منذ عقود». توقفتْ ونظرَت نحوي بعينين ملتبستين وكأنها تتساءل: ما جاء بك إلى هنا؟ أنت من عالم آخر، فكل شي هنا قد تغيّر عن زمانك. تملكتني الحيرة للحظة، فسكتُّ. بعدها انطلق لساني بلغتي التي خاطبتهم بها منذ خمسة عقود، فأنا لا أجيد غيرها في هذه المسارح والمواجهات؛ وهم، وإن تظاهروا بأنهم لا يفهمونها، يفهمونها، ويعرفون كم هي صحيحة وتنطق باسم شعب لم تقدر عليه لا نكبة ولا نكسات، وصمد احتلالا عتيّا وهو يحلم ويغني: «من نور إلى نور مضينا، ومع النجم ذهبنا، ومع الشمس أتينا، أين ما يدعى ظلاما، يا رفاق الليل أينا.. سوف نحيا». هي لغة الحق حين يستقوي عليه البغاة والطغاة وتغتصبه البنادق، وهي غطّات البواشق في فضاء تحاول بغاث الطير أن تعلق فيه أعواد المشانق.
«بدأت عملي في محاكمكم قبل أن تولدوا بسنوات طوال. ستة وأربعون عاما كنت فيها شاهدا كيف أقام آباؤكم «مملكة الشر. مملكة قامت على شر وباطل حتى استحكم فيها الشر ليصل إلى أعلى درجاته وهي الشر المقدس. تسعة وخمسون عاما مضت وها أنتم ترثون الخطأ والخطيئة عن أجدادكم المحتلين، وتزرعون على طريقتهم بذور الحقد والجريمة. تنظرون إليّ وكأنني أنا الغريب والذين أدافع عنهم هم الجناة، أما الحقيقة فهي ألا جريمة أكبر وأبشع من أن تكون محتلا وغاصب حق الآخرين». حاولت بعجالة أن أختزل أمامهم خلاصات تجربتي أمام محاكمهم العسكرية، لا أملا في أنهم سيتغيرون وسيصيرون حكّاما عادلين، بل كي يبقى صوت الضحية مسموعا؛ فمن يحكم بقوة زناد البندقية لن يعرف معنى للعدل ولن تهزه أي رحمة. وأضفت: «لماذا لا تراجعون تاريخ شعبكم وترون أين أوصلتكم الغطرسة وسكرة القوة ونشوتها في عالم كان يوما لا يقبل أن يحمل اسم الضحية إلا أنتم، أما اليوم فها هو يتغيّر، وبعضة صار يعتبركم الجناة ويعتبر من تحاكمون هنا في محاكمكم الضحية؟ تتساءلون لماذا آتيكم وقد تغيّر كل شيء؟ آتيكم لأن ظلمكم لم يتغير، بل تمادى وتجبّر. وآتيكم كي لا يبقى الصمت وقودا لنيران قمعكم، وليسمع التاريخ وأهله أخبار الدم النازف يوميا على الأرض الفلسطينية». لم أكمل مرافعتي؛ فحين بدأ غضبي يرتفع طلبت مني القاضية أن أهدأ ورمتني بنظرة فيها مع العتب خجل وكأنها تريد أن تقول لي مرة أخرى: ما جاء بك إلى هنا! أنت من عالم آخر، فكل شي هنا قد تغيّر عن زمانك.
أكملت مرافعتي ثم خرجنا لاستراحة كانت تشبه استراحة المحاربين. خارج قاعة المحكمة وقف بعض المحامين الشباب. بادرني أحدهم قائلا بمودة، أو ربما مشفقا، وقد بدا عليّ الاعياء: «الله يسامحك يا استاذ، ما جاء بك إلى هنا، فأنتم من عالم آخر. كل شيء هنا قد تغيّر». ابتسمت وقلت في سرّي «طبعا لقد تغيّر العالم، فشاهدوه أنتم واقرأوا ماذا يكتب اليوم المئات مثل نيقولاس كريستوف، في داخل إسرائيل وفي جميع أرجاء العالم؟ إقرأوهم واصمدوا كما صمدت أمكم الضحية». مضيت وأنا لا أعرف إن كنت سأرجع مرة أخرى من حيث انتهيت.



