
هل تضع السعودية حدّاً لتوسّع الاتفاقات الإبراهيمية؟
لميس أندوني
حرير- تحوّلت السعودية، في نظر إسرائيل، من حلم شريك تطبيعي طال انتظاره إلى دولة تعرقل بسط هيمنة دولة الاحتلال على المنطقة، فتل أبيب كانت ترى الرياض لاعباً رئيساً يعزّز مهمّتها الرامية إلى هزيمة طهران، لكنّ استهتارها وواشنطن باستقرار دول الخليج ولّد نتيجةً عكسيةً، اتّضحت (وتأكّدت) حين رفضت السعودية السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها ومياهها وأجوائها لإطلاق “مشروع الحرّية” لإنهاء السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
“السعودية تضع قوانين حرب ترامب… وإيران تستفيد”، كان العنوان الرئيس لصحيفة هآرتس (8\5\2026)، في تعبير واضح عن امتعاض إسرائيل، إذ اعتقدت واشنطن وتل أبيب أنّ دول الخليج ستشارك في الحرب على إيران، لكنّها لم تستوعب أنّ الكثير قد تغيّر منذ بدء هذه الحرب؛ إذ وجدت دول الخليج أنّ أميركا وإسرائيل تجرّان المنطقة إلى حرب مستمرّة، وتغامران باستقرارها واقتصادها، وكأنّ أهداف إسرائيل وأميركا هي الأساس، والتبعات على شعوب المنطقة غير مهمّة. … وقد تكون الإمارات (انظر مقال الكاتبة: “محور أم تقارب إسرائيلي إماراتي؟”، “العربي الجديد”، 3\5\2026)، المرتبطة في الاتفاقات الإبراهيمية الموقّعة عام 2020 مع إسرائيل، الاستثناء، إذ أصبحت تتعامل بوصفها “حليفاً لإسرائيل”، على الرغم من خطورة التماهي مع المغامرة الإسرائيلية – الأميركية عليها.
لذا؛ كان من الضروري (أو المأمول) أن توقف السعودية هذا الاندفاع، برفض المشاركة في تصعيد (وتوسيع) الحرب المدمّرة التي تعتقد إسرائيل وواشنطن أنّ عليهما ربحها ولو على أنقاض المنطقة. وحدث ذلك بالفعل حين أخطأت واشنطن في الحسابات، واعتقدت أنّ السعودية ستمتثل لخطط لم يكن لها دور فيها، وقرار حرب لم تُستشر أيّ من حكومات المنطقة فيه. ويبدو أنّ حسابات واشنطن بُنيت على تقدير خاطئ بأنّ ضرب إيران قواعد عسكرية أميركية، ومنشآت حيوية في السعودية وقطر، قد يجبرانهما على الانضمام إلى كلّ تحرّك أميركي أو الانصياع له. لم تعِ واشنطن أهمية النقاش الجاري عن إعادة تقييم العلاقة معها، بعد أن اتّضح أنّها غير معنية بأمن الخليج العربي وحمايته، إذ إنّ تثبيت هيمنة إسرائيل ليست مصلحةً خليجيةً، وإنّ الهدف يجب أن يكون في إيقاف الحرب وليس تأجيجها، فلم تتعرّض دول الخليج إلى خطر يهدّد استقرارها وأمن شعوبها إلى هذا الحدّ من قبل، وأوليتها وقف الحرب. فنيل رضا أميركا لم يفد في تأمين الهدوء والاستقرار، وواشنطن (كما يبدو) لا تهتم، وهو أمر يعرفه الفلسطينيون ودول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني، فمفهوم “الأمن القومي الإسرائيلي”، والمصالح الأميركية، هما الأولوية، وربّما الوحيدة، في حسابات أميركا وإسرائيل. فواشنطن لا يهمها إن كانت قد بدأت الحرب بتحريض من إسرائيل، وخرقت كلّ القوانين الدولية، فعلى الجميع الرضوخ، وهي تستخدم الخوف من إيران وانتقامها “بعبعاً” لإحكام سيطرتها على سياسات دول المنطقة.
كما لاحظت دول الخليج أيضاً أنّ أميركا لا تقيم أيّ حساب لها في كلّ مرّة تصل إلى اتفاقية مع إيران، فهي تعامل الدول العربية “أتباعاً”، ليس لهم سوى الرضوخ، لكنّ حرب الإبادة الإسرائيلية والتغلغل الإسرائيلي في لبنان وسورية كشف أنّ الحديث كلّه عن “السلام” أو الاستقرار ليس إلّا وهماً مؤجّلاً، كما بات واضحاً أنّ لأميركا وإسرائيل دوراً في إبعاد الإمارات عن السعودية، وفي تشجيعها أو تأليبها عليها، بعد أن خابت توقّعات واشنطن وإسرائيل بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
إنّ التحليلات والتقييمات التي نشرتها المراكز البحثية المؤيّدة لإسرائيل للحرب على إيران توقّعت أن تقنع الحرب السعودية بتوقيع اتفاقية تطبيع رسمية مع إسرائيل، أي أن تعيد المسار الذي عطّله “طوفان الأقصى” في يوم “7 أكتوبر” (2023)، بانضمام السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية. هنا يجدر التذكير بأنّ الإمارات دخلت في الاتفاقات الإبراهيمية على أساس وعد إسرائيلي كاذب “بتأجيل” ضمّ الضفّة الغربية، لكن إسرائيل مضت وتمضي…
ما يحدث الآن أنّ إسرائيل، بمعرفة ما يسمّى “مجلس السلام في غزّة” وواشنطن ومباركتهما، توسّع ما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء العازلة” المحرّمة على الفلسطينيين، وتضيّق رقعة الأرض المتبقّية لأهل غزّة، كما باشرت في بناء طريق يصل القدس بالضفة الغربية، يستعمله الإسرائيليون اليهود فقط، جزءاً من ترسيم نظام الفصل العنصري في الضفة الغربية، ونقل نحو مليون إسرائيلي إليها، تهيئةً لطرد وتهجير الفلسطينيين.
يعني هذا أنّه في هذه المرّة لا توجد وعود حقيقية أو وهمية لإغراء السعودية وأيّ دولة أخرى بالانضمام إلى اتفاقات تطبيعية؛ فعهد المواربة انتهى، وبعد حرب الإبادة وفظائعها وصمت العالم عليها، لم تعد إسرائيل تخبّئ شيئاً، بل تعلن مخطّطاتها وتنفّذها على المكشوف، من دون إبداء أعذار أو أسباب، ولا تشعر أنّ عليها إثبات أيّ حسن نيّة، وهذا يحدث رغم الضغوط الأميركية عليها. فهي لا تشعر أنّ عليها تأجيل أيّ خطط توسّعية لها في فلسطين أو سورية أو لبنان، أو أنّها مجبرة على تقديم وعود ولو كاذبة. فباعتقادها أنّ بطشها ووحشيتها، وعدم وقف أيّ دولة عربية التطبيع معها أو قطع العلاقات معها، يحرّرها من أيّ ضغوط للمضي في مخطّطاتها، واعتقدتْ أنّ الطريق باتت مفتوحةً للتطبيع مع السعودية، والحرب على إيران عزّزت ذلك، لكن يبدو أنّ للسعودية رأياً آخر.
ما لم تفهمه أميركا أنّ حرب الإبادة، والحرب على إيران، أخافتا الدول العربية، وكان مبعث الخوف أنّ بعض هذه الدول أحسّت بأنّ الاتفاقات مع إسرائيل لا تحمي من خطرها ولا تضمن حماية أميركية لها، لكنّ هذا الاستنتاج، حتى الآن، لم يؤدِّ إلى موقف عربي واضح بوقف التطبيع، أو بتجميد العلاقات مع إسرائيل. لكن، وباستثناء الإمارات، فقد عمّقت حربا الإبادة وضد إيران الشعور بالعداء لأميركا وإسرائيل نتيجة وعي متجدّد بخطر إسرائيل، ورفضاً لجرائمها، لكنّه لم يترجم إلى سياسات واضحة وحاسمة، وقد يكون الغرض السعودي هو التحرّك لتقول لأميركا إنّ “أمننا واستقرارنا” هما الأولية.
هناك أيضاً تغيّرات في الأردن، وإن ليست كافيةً، فوفقاً لمعهد واشنطن للدراسات (المؤيّد لإسرائيل) فإنّ الاتصالات الرسمية شبه مقطوعة، وهذا ما تؤكّده تصريحات الملك عبدالله الثاني الذي يرفض التواصل مع بنيامين نتنياهو. وبدأت عمّان ببناء ناقل مياه يعوّض عن اتفاقية كانت على وشك تنفيذها بتبادل مياه محلّاة من البحر الأبيض المتوسّط مقابل الطاقة الشمسية المولدة في وادي عربة، وهو مشروع جاء بضغط إماراتي وأميركي لدفع التطبيع مع إسرائيل، كما تدرس عمّان الاتجاه إلى الجزائر لاستيراد الغاز الطبيعي بدلاً من الغاز المُصدَّر إسرائيلياً، أي الغاز المسروق من الفلسطينيين. لكنّها خطوات لا ترقى إلى مستوى الضرورة الاستراتيجية بالنأي عن إسرائيل وعن المشاركة في الحرب ضدّ إيران.
تستطيع دول الخليج، بفضل ثرواتها وحاجة أميركا إليها، أن تخطو الخطوة الأولى، وتشجيع ودعم الدول العربية الأكثر ضعفاً مثل الأردن ولبنان وسورية، وهم الهدف الأضعف للتهديدات الإسرائيلية، وطبعاً دعم الفلسطينيين على الصمود، إذ يُفترض أنّ الصورة اتّضحت بأنّ أمن الخليج مرتبط بأمن الدول العربية كلّها، والعكس صحيح.
هي لحظة قد تكون فارقة إذا أصرّت السعودية على موقفها، وهو الذي دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تجميد مشروع الحرّية، على الأقلّ الآن، وهي خطّة احتلّت عناوين الصحف العالمية، خصوصاً أنّ السعودية، وبمساندة قطر ودول عربية، إذا أرادت، يمكنها أن تقف أمام المحور الإسرائيلي الإماراتي الصاعد الذي حذّرت منه الكاتبة (في مقالها المذكور سابقاً). الوقوف بوجه هذا المحور يهدف إلى إنقاذ الإمارات، وإنقاذنا جميعاً، من خرق إسرائيلي خطير.



