الأرض تعتب.. أحمد حسن الزعبي

الأرض مثل البشر تتعب..لذلك كنّا نريّحها سنة أو سنتين ،نتركها لتستعيد عافيتها ، كأي أمّ أنهكها حمل الحبّ ورضاعة السنابل ، نتركها تستريح على كفّ الريح..وعندما تشتاق لنا أو نشتاق لها نفلحها من جديد..
**
بعض السنوات عندما كنا نتأخر في قرار الزراعة ، كان يأتي بعض الفلاّحين أو البدو المقيمين قرب أرضنا ، يفاوضون والدي أن يفلحونها “ع الثلث” ولموسم واحد..أحياناً يتم الاتفاق، تستثنى تكاليف الحراثة وثمن البذار وتقرأ الفاتحة على نية الخير، لا عقود ولا شهود لا ورق، فالنوايا صافية والله خير الشاهدين..كما أن الأرض تقرأ القلوب قبل أن تسمع الألسن، من يحاول أن يقلب النيّة حتماً ستعاقبه بالجفاف والمحل…

أذكر من طيب التعامل ، وقت الربيع من يستأجر الأرض لم يكن ينسانا ، كان يحضر هدية لوالدي صاحب الأرض “غمارين كبيرين من الفريكة” على سبيل الهدية والبركة ، وعندما كنّا نزور الأرض كان يفرح زارعها بالزيارة ، وتفرح هي كذلك، فيصبح للسهل قهقهة يصنعه اهتزاز السنابل ، ووقت الحصاد ، لم نكن نحضر احتراماً وخجلاً، لكن حصّتنا كانت حاضرة ، حتى “الرباطات” الصغيرة التي نتجت عن القسمة كان يحضرها المستأجرون حتى باب منزلنا من باب الأمانة ، الحصيلة مثلاَ 14 شوال ورُبع ،فيبارك الله للجميع رزقهم..

**
لا أدري لماذا تذكّرت تأجير “الثلث” ، ربما لأنني قرأت قبل قليل العدّ التنازلي لاسترجاع أرضنا (الغمر و الباقورة) التي لم نعطها لا على الثلث ولا على الربع ولا على الخمس بل أعطيناها على “الخبث”، ومع كل هذا لم نبذل من جهدنا ولا من تصريحاتنا ما يرضيها ،أو يطرب تلالها الحزينة ، لقد أخذوها غصباً عنّا وضعفاً منا، ونحن أضعف بكثير من “رجاء” المطالبة حتى..
قلت في أول المقال أن الأرض تتعب …لكن الأرض تعتب أيضاَ ، والأرض تغضب أيضاَ..
من يطالب بالأرض عليه أن يحمل الفأس لا أن يرفع الكأس..فالوطن ليس مجرّد طاولة والحقوق ليست مجرد “سكره”!

مقالات ذات صلة