
إغلاق هرمز: أزمة لا تنتهي بفتح المضيق
محمد عايش
حرير- الأزمة العالمية التي نجمت عن إغلاق مضيق هرمز أعمق وأكبر مما نشاهده الآن، ومن المحتمل أن تستمر آثارها وانعكاساتها لسنوات قادمة، وهي أزمة لن تتوقف عند المستوى الاقتصادي، وإنما ستكون لها آثار سياسية عميقة، فضلاً عن أنها ستؤدي الى إحداث تغيير عميق في خريطة التجارة العالمية، التي من المستبعد أن تظل رهينة لهذا المضيق ولمن يسيطر عليه.
التحولات التي بدأ يشهدها العالم بسبب أزمة مضيق هرمز عميقة وكبيرة، وتشمل إيجاد طرق برية وبحرية بديلة للبضائع، من دون المرور بالمضيق، لكن هذا لا يعني أن الأزمة التي نجمت عن الإغلاق، وستنجم لاحقاً، ستتوقف عند طرق الإمداد، أو ستقتصر على تكاليف الشحن، وإنما تمتد الى العديد من القطاعات الحيوية المهمة، وسوف تعني إحداث تأثير عميق على كل مناحي الحياة، وهنا تكمن الإجابة على السؤال التقليدي، الذي يطرحه المستهلكون كلما رصدوا ارتفاعاً في سعر سلعة ما: هل تمر هذه السلعة عبر مضيق هرمز؟ والجواب أنها لا تمر من هناك لكنها تتأثر وستتأثر بما يجري هناك.
أزمة مضيق هرمز الحالية يتوقع أن تستمر لسنوات، وهذا ليس معناه أن الإغلاق سوف يستمر لسنوات، وإنما هي الأزمة التي نجمت عن الإغلاق الحالي، وهذا يعني أن المضيق لو أعيد فتحه اليوم فإن آثار الإغلاق ستظل مستمرة ومشهودة لسنواات عديدة مقبلة، ذلك أن التوتر والفوضى التي نتجت عن الإغلاق لن يستطيع العالم تجاوزها، خلال شهور وإنما تحتاج لأكثر من ذلك. وتتركز مفاصل الأزمة التي نتجت عن إغلاق مضيق هرمز في القطاعات التالية:
أولاً: ثمة أزمة نفطية وأزمة تتعلق بوقود الطائرات بشكل خاص، حيث إن ناقلات النفط التي تتحرك من موانئ الخليج اليوم تصل الى وجهاتها النهائية في العالم بعد رحلة متوسطها شهران، ما يعني أننا اليوم بعد شهرين من الإغلاق ما زلنا في بدايات الأزمة. أما وقود الطائرات فيشير تقرير نشرته جريدة «فايننشال تايمز» إلى أن متوسط المخزون الذي تحتفظ به شركات الطيران العالمية يتراوح بين شهرين إلى ثلاثة شهور، ما يعني أنَّ المخزونات لدى أغلب الشركات ما زالت لم تنفد، وعندما تنفد ستتضح صورة الأزمة أكثر فأكثر وسوف تتعمق، وسوف نشهد مزيداً من الارتفاع في أسعار وتكاليف الطيران والنقل والشحن الجوي.
ثانياً: أزمة غذائية عالمية تلوح في الأفق، وهذه الأزمة لم يعد من الممكن اليوم تجنبها، إذ إنَّ أكثر من 30% من إمدادات الأسمدة في العالم تأتي من دول الخليج، وقد تعطلت هذه الإمدادات بالتزامن مع بداية الموسم الزراعي الحالي، وهذا يعني أن المحاصيل الزراعية والمنتجات الغذائية سوف تتأثر لعام أو أكثر من عام على الأقل، إذ سترتفع تكاليف الانتاج وتتراجع الكميات، وهو ما يعني قفزة مؤكدة في الأسعار، وشح في بعض المعروضات وبعض الأسواق.
ثالثاً: ارتفاع تكاليف الشحن البحري والجوي والبري، ما سيؤدي إلى ارتفاع في تكاليف إنتاج ونقل كل شيء، من دون استثناء، وهذا ناتج عن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود والارتفاع في تكاليف التأمين، وهذه أزمة ستستمر طويلاً، على الرغم من أن إعادة فتح المضيق سوف يخفف من آثارها بشكل سريع.
رابعاً: فوضى متوقعة في سلاسل الإمداد، وهذه الفوضى قد تمتد لشهور على الأقل على غرار ما حدث في عام 2022 بعد أزمة الوباء العالمي (كورونا)، وهذه الفوضى تعني أن العديد من السلع سوف تغيب بين الحين والآخر في الأسواق، ليس بسبب شح الانتاج وإنما بسبب فوضى المواصلات.
خامساً: ارتفاع نسب التضخم وموجة غلاء في الأسعار، وهذه الارتفاعات لا تعود الى طبيعتها بعد حدوثها، ونسب التضخم غالباً ما لا تعاود الهبوط، ولو حدث أن هبطت فإنها تُعبر عن أزمة اقتصادية وليست ظاهرة صحية. وهذا يعني في نهاية المطاف أن القدرة الشرائية للناس تتراجع وقيمة النقود تتآكل، وهذا يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر وزيادة الجوع في العالم.
هذه أزمات عميقة وخطيرة نتجت عن إغلاق مضيق هرمز لمدة شهرين فقط، وسوف تتعمق هذه الأزمات، إذا استمر الإغلاق طويلاً، كما إنها ستستمر لسنوات وليس لشهور فقط، حتى لو تمت إعادة فتح المضيق، اعتباراً من اليوم وإعادة الحياة له كما كانت في السابق.



