في حدود القوة

سمير الزبن

حرير- يُكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تملك أعظم جيش وأقواه، وكأن هناك من يجادل بعكس ذلك. ورغم إقرار الجميع في العالم بهذه الحقيقة، وافتخار ترامب المستمر بهذه القوة، معتقداً أنه باستناده على هذه القوة يستطيع تركيع الأصدقاء قبل الأعداء، وفرض شروطه عليهم، لأنه يملك هذه القوة الأعظم والأقوى، معتبراً أنها الضمانة للانتصار على الجميع.

لا يريد ترامب مراجعة التجربة العسكرية الأميركية بشأن النصر والهزيمة، ليعرف أن ثمّة قضايا لا تحلها القوة العسكرية. فقد مرّت التجربة الأميركية بانتصارات وهزائم، انتصارات عظيمة، مثل مشاركتها في الحرب العالمية الثانية والقضاء على النازية، وهزائم مذلّة، كما حال هذه القوة العظيمة والقوية في فيتنام، البلد صاحب القوة العسكرية المتواضعة والذي لا يُقارن بالقوة العسكرية الأميركية. لأن الحرب في حالة اشتباك طويل الأمد صراع على تحمل الألم، قد لا تستطيع القوة الأعظم تحمل الألم (الكلفة التي تدفعها القوة العظيمة في الحرب)، كما يتحمّل الطرف الضعيف في الصراع ألماً هائلاً. لم تكن كلفة حرب فيتنام متساوية لكلا طرفي الحرب، فقد خسرت فيتنام حوالي ثلاثة ملايين فيتنامي، أغلبهم من المدنيين، وبلاد مدمّرة بفعل قصف متواصل القاذفات الأميركية سنواتٍ، بينما خسر الجيش “الأعظم” في العالم حوالي 58 ألف جندي في فيتنام. لا يمكن مقارنة الخسائر بين الطرفين، من زاوية فارق القوة، وبحسب منطق ترامب الذي يجلب منطق التطوير العقاري ليعالج به متطلبات الحرب، يدهش من أن الفيتناميين لم يستسلموا قبل الحرب، كما استغرب عدم استسلام إيران بعد تهديداته، وقبل بدء الحرب، كما فعل ستيف ويتكوف مبعوثه إلى المفاوضات مع إيران.

تقول الحكمة التقليدية التي صاغها كلاوزفيتز: “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”. بالطبع، الوسائل الأخرى، هي أدوات القتل، واستخدامها من أجل إنجاز الأهداف السياسية التي لم يتم الوصول إليها بالتفاوض، فالحرب، في نهاية المطاف، أداة سياسية، وأي حربٍ من دون هدف سياسي، في النهاية، عملية تدمير وقتل عبثية، لا تصل إلى مكان.

التجربة الأكثر دلالة على فشل القوة العسكرية الكبرى في تحقيق أهداف سياسية في بلد صغير هي الأفغانية، وقد مرَّ فيها كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. في ظل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وعلى مدى عقد من الاحتلال السوفييتي أفغانستان 1979 ـ 1989 فشلت القوة السوفييتية الكبيرة في هزيمة “المجاهدين” الأفغان بأسلحتهم المتواضعة والمدعومين من الغرب، وفرض إرادتها السياسية على أفغانستان، رغم فارق القوة الهائل بين الطرفين، والتي لم تضمن النصر للسوفييت. لقد هزم بؤساء أفغانستان قوة عظمى، وكان هذا الفشل أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه.

كانت التجربة الأميركية في أفغانستان أكثر درامية من التجربة السوفييتية. بعد أحداث 11 سبتمبر (2001) وانهيار برجي التجارة العالمي في نيويورك، العملية التي انطلقت من أفغانستان بتخطيط من تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. قرّرت إدارة جورج بوش الابن احتلال أفغانستان ردّاً على العملية، وهذا ما كان. وانسحبت حركة طالبان إلى الجبال وإلى باكستان، وعملت الولايات المتحدة على إعادة ترتيب السلطة في أفغانستان كما تعتقد أنه الأفضل للبلد. وخلال العشرين عاماً التالية، لاحقت القوات الأميركية مقاتلي “طالبان” في جبال تورا بورا، طائرات الإف 16 (بسعر 60 ـ 70 مليون دولار) تلاحق مقاتل طالبان الذي يحمل بندقية، تطلق عليه صاروخاً بكلفة مائة ألف دولار. عشرون عاماً من الاحتلال الأميركي لأفغانستان، وبناء جيش أفغاني، وحكومة، ومجلس تشريعي، وغيرها من الأوهام الأميركية، وبمقتل 2442 وإصابة حوالي 40 ألف جندي ومقتل قرابة أربعة آلاف متعاقد مع الجيش وبكلفة أكثر من تريليوني دولار، انسحبت القوات الأميركية بطريقة مذلة من أفغانستان، وانهار كل ما بنته، وهرب الجيش، وعادت “طالبان” إلى حكم أفغانستان. ولم يكن الأمر أفضل حالاً في احتلال الولايات المتحدة العراق بذرائع كاذبة.

في الحروب غير المتماثلة، القوة لا تضمن النصر، فمهما كانت عظمة الجيش وقوته، فهي ليست معطيات قادرة بشكل آلي على فرض الإرادة على الطرف الضعيف في هذه الحرب، فالحرب عملية سياسية، وفي السياسة نتائج النصر والهزيمة، وليس بالقدرة على التدمير.

… يعتبر الرئيس ترامب القوة الأميركية ضمانة النصر، وفرض الإرادة، واستسلام الخصوم. ويبدو أن العملية في فنزويلا وسهولتها، أوحت له أنه يستطيع تحقيق ما يريد بسهولة أيضاً في إيران. رغم محللين كثيرين قالوا إن إيران ليست فنزويلا، لا يسمع ترامب سوى نفسه، فوجد نفسه متورّطاً في حربٍ بلا خطة سياسية، ولم يعد يعرف كيف يخرج منها. ولأنه ما زال غير قادر على تحقق أهداف الحرب، فاستعار من شركائه الإسرائيليين الفكرة الحمقاء “ما لا يتحقق بالقوة يتحقّق بمزيد من القوة”، التي استخدموها المرّة بعد الأخرى لإخضاع المنطقة من دون نجاح في فرض إرادتها السياسية. ومن هنا كان ترامب يهدّد إيران بتدمير مصادر الطاقة والجسور والبنية التحتية، أي يهدّد بـ”جرائم حرب” معلنة.

ليست إيران دولة مسالمة في المنطقة، فلها جرائمها المرتكبة بحق بلدانٍ عديدة، وهي بلد معتدٍ كما كان الوجود الإيراني في سورية. لكن العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي غير معنيٍّ بهذه العدوانية، بقدر ما هو معنيٌّ بتحقيق مصالحه ومصالح إسرائيل. بالطبع، نتائج هذه الحرب العدوانية لن تقتصر على إيران والشعب الإيراني، فتداعياتها تصيب المنطقة والدول الأخرى، وهذا ما تدل عليه أزمة مضيق هرمز الذي أغلقته إيران. وتشير هذه الأزمة إلى هشاشة المدنية الحديثة تجاه الحروب، وهذا ما أشارت إليه الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وما تؤكده اليوم الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.

يبدو أن الولايات المتحدة، بصفتها القوة الأعظم، لا تريد تعلم الدرس الأساسي بحدود ما تستطيع القوة تحقيقه، فهي تعود إلى استخدامه المرّة بعد الأخرى تحت “غرور القوة”، وإغرائها لتحقيق ما لم يستطع تحقيقه السابقون من الرؤساء الأميركيين. فترامب الذي رفض الحروب الخارجية ها هو قام بواحدةٍ من أغباها، ولا شك في أنها ستبقى تلاحقه بوصفها لعنة فشل أميركية جديدة.

مقالات ذات صلة