
«قاعدة العين بالعين» والقانون الدولي
أنيس قاسم
حرير- في العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي ابتدأ في 28/2/2026، ودخل الآن أسبوعه الخامس، استخدمت دول العدوان المعلنة والمتواطئة (مثل بريطانيا) كل أدوات الدمار، من دون مبرر ابتداءً، ومن دون ضرورة عسكرية ذلك أن الأهداف المعلنة من قبل إسرائيل هي تغيير النظام وتدمير البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، وهي جميعها أهداف لا تجيز لإسرائيل ولا للولايات المتحدة، استخدام القوة ضد إيران، ذلك أن تغيير النظام هو عدوان بحد ذاته، لأن الافتئات على حق الإيرانيين في ممارسة حق تقرير المصير باختيار حكومتهم ونظامهم، هو حق أصيل لكل شعب، وهو حق غير قابل للتصرف، وقد أكدت ذلك محكمة العدل الدولية، في أربع قضايا دولية نظرتها المحكمة.
أما مسألة تدمير البرنامج النووي، فإن الرد على ذلك يستند:
أولاً إلى الاتفاقية الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية، التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1970 وتضم في عضويتها 191 دولة من ضمنها إيران، وليس من بينها إسرائيل، التي ما زالت تصرّ على عدم المصادقة عليها. نصت المادة الرابعة، الفقرة الأولى، من هذه الاتفاقية على أنه «لا شيء في هذه الاتفاقية يمكن تفسيره على نحو يؤثر على الحق الطبيعي لجميع الدول في تطوير الأبحاث، وإنتاج واستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية». إذن فإن حق كل دولة في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية هو «حق طبيعي».
ثانياً، إن إيران وقعت عام 2015، مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة الى ألمانيا، اتفاقية تخضع إيران للتفتيش من قبل وكالة الطاقة النووية، وعدم تخصيب اليورانيوم لأكثر من 3.67% وهي نسبة دون النسب المقررة لإنتاج السلاح النووي.
ثالثاً، هناك فتوى من الولي الفقيه بتحريم إنتاج واستخدام السلاح النووي، لأن آثار هذا النوع من السلاح ضارة بالمدنيين العزّل. ورغم أن البعض يأخذ هذه الفتوى على محمل الجد والتقيد بها، إلاّ أن الدول المسكونة بالشر، مثل إسرائيل والولايات المتحدة، لا تعير هذه الفتوى أدنى اهتمام.
وجاء الرئيس ترامب في رئاسته الأولى وألغى اتفاقية عام 2015، وربما لم يحسن تقدير نتائج ذلك الإخلال بالتزام دولي، فأطلق يد إيران في رفع نسب تخصيب اليورانيوم، ومع ذلك، لم تصل درجة التخصيب لمرحلة تطوير سلاح نووي، بل إن إيران طلبت من أطراف الاتفاقية الآخرين، أن يحملوا الولايات المتحدة على العودة إلى الاتفاقية، وكلما فشلت جولة مفاوضات رفعت إيران نسبة التخصيب، وذلك للضغط على الولايات المتحدة للعودة إلى الاتفاقية. وكان هذا «حقاً طبيعياً وأصيلاً» للجمهورية الإسلامية، لأن الذي أخلّ بالاتفاقية ليست إيران.
أما ادعاء إسرائيل بأن قيام إيران بتطوير سلاحها النووي هو تهديد لها، فهو ادعاء باطل، بل ادعاء كاذب، ذلك أن إيران ليست جارة لإسرائيل ولا توجد حدود مشتركة بينهما، بل يفصلها عن إسرائيل العراق والأردن، ويشكل البلدان حاجزاً طبيعياً بينها وبين إيران. أما بطلان الادعاء، فلا أدلّ عليه من أن إسرائيل قامت بالاعتداء على منشآت مدنية لا علاقة لها بالقدرات النووية. وآخر جرائمها أنها ضربت موقع بارس، وهو حقل غاز مشترك بين إيران وقطر، ويقدّر الخبراء أن إصلاحه يحتاج الى ثلاث سنوات تقريباً. ولا بدّ من التأكيد أن ضرب ذلك الحقل لا يشكل ضرورة عسكرية، بل كان بقصد التخريب والإفقار.
أما القدرات الصاروخية لإيران، فإن تطويرها وبناءها وتسليح قواتها المسلحة بها هو حق أصيل لها، وذلك يقع تحت بند «حق الدفاع عن النفس» وهو حق نصّت عليه المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، واعتبرته الاستثناء الوحيد للمنع التام والشامل لاستخدام القوة أو حتى التهديد باستخدامها. أما إذا قبلنا أطروحات نتنياهو، فإن ذلك يعطي الحق لأي دولة أن تعتدي على أي دولة، مجاورة كانت أم بعيدة، إذا طورت ذاتها علمياً وعسكريا وصناعياً. وأول ما ينطبق ذلك على الدول العربية، ولاسيما تلك المجاورة لإسرائيل، والتي يكون لها الحق ذاته الذي تدّعيه إسرائيل لنفسها في مواجهة إيران. أي أن لمصر والأردن وسوريا ولبنان حق الاحتجاج على تملّك إسرائيل قدرات نووية، أو تطوير أجهزة تجسس أو تطوير صواريخ.
وفي الحرب حالياً، نلحظ أن الهجمات الصهيو أمريكية، هي هجمات لا تلتزم بمعايير القتال من ضرورة عدم استهداف منشآت مدنية أو مدنيين. كما لا تلتزم بقاعدة النسبية، أي أن يكون رد الفعل متناسباً مع الفعل، أو عدم استخدام قوة أكثر مما هو ضروري لتدمير الهدف العسكري. فقد صرّح كل من الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو، أن جيش كل منهما قضى على سلاح البحرية، وعلى منصات الصواريخ، وعلى مخازن الصواريخ الإيرانية، فإن كان هذا صحيحاً، فما هو الدافع لمواصلة عمليات القصف والتدمير الواسع، وماذا بقي من أهداف لا علاقة لها بالمجهود العسكري أو القدرات القتالية لإيران.
ومن هنا طرحت إيران شعار «العين بالعين»، أي إذا ضربت إسرائيل هدفاً مدنياً، يحق لإيران أن ترد باستهداف هدف مدني في إسرائيل. فهل لهذه القاعدة سندّ في القانون الدولي؟ والجواب، باختصار، نعم هناك قاعدة قانونية. والطريف أن هذه القاعدة طورها الفقه الأمريكي مبكراً، وأصبحت قاعدة قانونية دولية. فقد ورد في قانون الحرب البرية، الصادر عن «وزارة الجيش» الأمريكية (قبل أن تتحول إلى وزارة الحرب على يد وزير الحرب هيغسيث) في عام 1956 بأن قيام أحد أطراف الحرب بعدم التقيّد بقواعد الحرب، يعطي الطرف الآخر الحق في عدم التقيّد بقواعد القتل، وذلك لحمل الطرف الأول على التقيّد بقواعد القتال وبالسلوك الحضاري في أي نزاع (المادة 497) وهذا تطبيق لقاعدة «العين بالعين».
وقد أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية عام 2015، مجلدين ضخمين تحت عنوان «دليل قانون الحرب» وقد تمّ تحديثهما عام 2023. وتحت عنوان «التبادلية في تنفيذ قوانين الحرب»، (الفقرة 3/6/2)، أي كيف تتم «المعاملة بالمثل» بين طرفي القتال. يقول «الدليل» إن مبدأ المعاملة بالمثل يعني انه يحق لأي طرف أن يتخلّى عن قواعد القتال لكي يفرض على الخصم الذي تخلّى عن تلك القواعد العودة الى الاعتصام بها. فإذا استخدم أحد الأطراف قنابل فسفورية، وهي محرمة دولياً، فإنه يحق للخصم أن يستخدمها إلى أن يعود الطرف الأول إلى التقيد بعدم استخدامها، وهذا تأكيد لمبدأ «العين بالعين»، وهو مبدأ تعتنقه إيران في وجه الوحشية الإسرائيلية والتوحش الأمريكي، مما يقطع بأن هذه القاعدة ليست قاعدة قانونية فحسب، بل هي قاعدة شرعية كذلك. وقد أصبحت قاعدة «التبادلية» أو ما يسميها البعض قاعدة «المعاملة بالمثل»، جزءا من القانون الدولي العرفي وتم تقنينها في القاعدة رقم (145) ووضعت لها شروطا في تطبيقها منها أن لا تنطوي على «الانتقام»، بل حمل الطرف الذي أخلّ بالقاعدة أن يعود إلى رشده ويلتزم بها.
وهكذا فإن ما تقوم به إيران من تطبيق مبدأ «العين بالعين» هو التزام بمبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي الذي هو ملزم لكل دول العالم.



