
التجربة العربية المشوّهة
سمير الزبن
حرير- ونحن على بعد أكثر من قرن ونصف القرن من عصر النهضة العربية، نعيد مرّة أخرى اكتشاف العجز الشامل الذي يعمّ دول المنطقة على كل المستويات، ويمنعها من دخول عصر الحداثة الحقيقي، ونكتشف أن استيراد منتجات الحداثة لا يصنع التحول إليها، وفي ظل هذا الاستيراد يستمرّ المجتمع في ضعفه وعجزه.
يُولّد ضعف المجتمعات العربية وعجزها انشطاراً هائلاً لطيفٍ من الأسئلة، وعلى كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطائفية… إلخ، بحاجةٍ إلى إجابةٍ في ظل المنعطف الذي تمرّ به المنطقة. ومن هذه الأسئلة سؤال الحداثة، الذي يبدو كأن الزمن تجاوزه.
عملت الحداثة ذات المركزية الأوروبية على اختراق العالم الثالث عبر التجربة الاستعمارية بشكلٍ لا يمكن مقاومته، وفرضت نفسها بصفتها الطريق الوحيد إلى المستقبل أمام هذه الدول. وفرضت مفاهيمها في الإطار الكوني، فاستمدّت الثقافات الأخرى، بما فيها الثقافة العربية، مفاهيمها من التجربة الأوروبية، فغزت الحداثة الواقع والعقل العربي معاً. وعمل هذا الغزو على تبدّل رؤية المجتمعات إلى العالم. ولكن هذا الغزو في التجربة العربية لم يشكّل قطيعة مع الماضي الذي خيّم بكل ثقله على التجربة. شكّلت القطيعة مع الماضي جوهر التجربة الأوروبية الحداثية، بوصف الحداثة تأخذ مشروعيّتها من المستقبل. ولا يعود إخفاق التجربة العربية إلى عدم الأخذ بالحداثة، إنما لسبب معاكس، أن الحداثة التي أخذ بها العالم العربي واستنبتتها في تربته، لم تنتج القيم نفسها، ولم تؤدِ الوظائف نفسها التي وُجدت من أجلها، وكانت منتظرة منها. وهنا مفارقة وجود أشكال حديثة من دون امتلاك الحداثة، ما جعل الحداثة إشكالية عالقة ومزمنة في التجربة العربية.
منذ اصطدام العرب بالنموذج الغربي للحداثة، لا يملكون حرية الاختيار بين الأخذ به وتركه، إلا إذا كنا لا نشكل جزءاً من هذا العالم. فرض النموذج الغربي نفسه منذ بداية التوسّع الاستعماري الأوروبي، ومنذ القرن التاسع عشر فرض نفسه نموذجاً عالميّاً. وبحسب محمد عابد الجابري، فرض هذا النموذج الحضاري الجديد نفسه علينا بوسائله هو: فمن التبادل التجاري غير المتكافئ، إلى التدخّل في الشؤون المحلية بذريعة الدفاع عن حقوق الأقلية، أو حماية مصالح معنية، إلى الحكم المباشر، إلى الهيمنة الاقتصادية، والسيطرة الثقافية الأيديولوجية. والنتيجة من ذلك كله: غرس بُنى النموذج الغربي في بلداننا، في الصناعة والزراعة والتجارة والإدارة والثقافة وربطها بالبنية الرأسمالية الأم في أوروبا. هكذا وجد العرب أنفسهم، كما وجدت الشعوب المستعمرة كلها نفسها، أمام عملية “تحديث” كولونيالية لبعض القطاعات في المجتمع، وهي التي تهم المستعمر أكثر من غيرها. عملية “تحديث” لم تستنبت أسسها في الداخل، بل نقلت من الخارج جاهزة وغرست غرساً، بالإغراء أو بالقوة، في مجموعة من القطاعات التي أصبحت، بعد الاستقلال، الهياكل الأساسية للدولة الحديثة في بلداننا.
ولّد مصطلح الحداثة في التجربة العربية دعوة إلى تحقيق الانتقال الذي لم يُنجز في الواقع الموضوعي، ما جعله مطلباً مستقبليّاً، في الوقت الذي عبرت الحداثة عن حالة قائمة، على اعتبار أن الحداثة في سياقها الأوروبي ليست مشروعاً كالنهضة، إنما هي سياسة وممارسة يومية، هي تغيير لبنى الواقع والفكر، ما جعل نشوءها مستقلاً عن الوعي بها، فهي عملية أيديولوجية واسعة ومفتوحة، لها معالم محدّدة، لكنها لا تنتظم في إطار نظرية من الممكن المناداة بها في هذا الاتجاه أو ذاك، إنما هي عملية تخترق المجتمع بكل بناه. لذلك تبقى الدعوة إليها بوصفها هدفاً نسعى إلى تحقيقه، دعوة تخترقها ثغراتٍ لا يمكن سدّها، لأن الحداثة مجموعة من التراكمات الجزئية التي يؤدّي تراكمها إلى إنتاج واقع موضوعي، فهي عملية متحوّلة في أشكالها ومضامينها، في الزمان والمكان. فهي ليست مفهوماً يصلح أداة للتحليل، لأنه ليس هناك قوانين للحداثة، بل هناك معالم للحداثة، ليست هناك نظرية في الحداثة، بل لها منطق وأيديولوجيا. وإذا كانت الحداثة نموذجاً لمفهوم “حديث”. وإذا كانت الأيديولوجيات هي التعبير عن الحداثة، فإن الحداثة نفسها ليست إلا عملية أيديولوجية واسعة، على حد تعبير جان بودريار.
عانت التجربة العربية من ممانعة قطاعات واسعة في مجتمعاتها لغزو الحداثة، وحافظت على طبقاتٍ كثيفةٍ في عمق المجتمع العربي لم تستطع الحداثة الوصول إليها، ما جعل هذا المجتمع المعاصر غير قادر على التوصل إلى تحقيق حداثة بمعناها الأصيل. كما أنه لم يعد تقليدياً. وكما شرح المرحوم هشام شرابي، فإنه يعيش في ظل خطابيْن ويعاني من الانفصام، خطاب الحقيقة الشاملة الكلية التقليدية، وظل خطاب الحقيقة الحديثة المحدودة، وأنه أصبح عاجزاً عن التعامل مع أي منهما بشكل عقلاني ومنظّم يمكّنه من إرساء علاقته بالماضي أو الحاضر أو المستقبل، من خلال وعيٍ ذاتيٍّ مستقل. وبهذا هو مجتمع متضارب تحكمه التناقضات على صعيد الفكر، كما على صعيد الممارسة. كما أن ارتكاز عملية التحديث إلى عامل خارجي، يؤثر في تطوّره الداخلي فيدفعه إلى التحول، فما أن تنطلق عملية “التحديث” حتى يتشوّه التطور الذاتي الداخلي، فيتخذ شكلاً لم يكتمل نضوجه. ليس هذا التشوّه الملازم لعملية “التحديث” ناتجاً عن تعثر داخلي فقط، بل أيضاً عن تأثير العامل الخارجي. وفي ظل هذا العامل الخارجي، يشكّل نجاح عملية التحديث نفسها إعاقة متى جرت تلك العملية في إطار التبعية والخضوع. ولأن أوروبا كانت السباقة إلى التحديث، ففيها فقط كان التحوّل إلى الحداثة ذاتياً، وبالتالي أصيلاً. وفي كل الثقافات الأخرى، جرى التحديث في أوضاع تبعية أدّت إلى حداثة مشوّهة زائفة. التناقض الداخلي والتبعية الخارجية دفعا الحضارات غير الأوروبية إلى اتخاذ أنماط مشوّهة مختلفة من النمو التحديثي. وفي مثل هذا التشوّه، تتعايش التقليدية الأصيلة وأشكال من الحداثة، بالقدر نفسه الذي تغيب هذه التقليدية، وتغيب الحداثة الحقة. ويعبر عن هذا استمرار القيم التقليدية، والممارسة الصنمية للحداثة. وهنا يصبح التشكيل الاجتماعي يعاني انفصاماً حضارياً، بحسب شرابي.
المجتمع الحديث بتعبيرات مارشال بيرمان “أصيل ومنفتح، وليس اقتصادياً فحسب، بل سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أيضاً، بحيث يتمكّن الناس من التسوق وعقد أفضل الصفقات بحرية، ليس من باب البيع والشراء فحسب، بل من باب الأفكار والارتباطات والقوانين والأنظمة الاجتماعية”. بالتأكيد، نحن نقف على مسافة من المجتمع المفتوح المعبّر عن الحداثة. وفي مثل هذه الأوضاع، هل نرتكب إثماً، وهل ننتمي إلى زمنٍ بائد، في ظل نقاش ما بعد الحداثة القائم في الغرب، والذي أصابتنا عدواه، إذا استعنا الفيلسوف الألماني كانط، وقلنا إننا بحاجة إلى التنوير الذي “هو خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر خارج قيادة الآخرين. والإنسان مسؤول عن قصوره لأن العلّة في ذلك ليست في غياب الفكر، وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسة، من دون قيادة الآخرين، لتكن تلك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك. ذلك هو شعار عصر التنوير”. أعتقد أن هذا النص يشبهنا إلى حد التطابق.



