بعد الحرب على إيران: هل تراجعت هيبة واشنطن؟

عصام نعمان

حرير- بدء الاحتفال بعيد الفطر في بلاد العرب صادف تاريخه هذه السنة يوم الجمعة العشرون من شهر مارس 2026، كما صادف أيضاً تاريخ الاحتفال بعيد نوروز (الربيع) عند الإيرانيين. هكذا عيّد العرب مرةً واحدة، فيما عيّد الإيرانيون مرتين. غير أن الإيرانيين والعرب احتفلوا معاً في التاريخ ذاته، بعيدٍ ثالث هو يوم انكسار الهيبة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، في سياق صراعهما الموصول ضد هيمنتها الكاملة، السياسية والاقتصادية، على دول غرب آسيا الممتدة أراضيها من شواطئ البحر الأبيض المتوسط جنوباً، إلى شواطئ بحر قزوين في إيران شمالاً، ثم إلى جبال باكستان شرقاً.

في صباح يوم الجمعة الماضي كرّست موجات من الآف الصواريخ فرط الصوتية بعيدة المدى الإيرانية والمسيّرات الانقضاضية على عشرات المواقع والقواعد العسكرية والمنشآت الاقتصادية في تل أبيب وحيفا والقدس المحتلة، انكسارَ هيبة أمريكا، فيما كانت صواريخ المقاومة الإسلامية (حزب الله) تنقضّ على البلدات والقرى اللبنانية الكائنة على حافة الحدود المحاذية لفلسطين المحتلة حيث أرسى فيها كيان الإحتلال مواقعَ وبؤراً في محاولةٍ فاشلة لتوسيع رقعة احتلاله في منطقة جنوب نهر الليطاني.

عزّزت هذه المكاسب العسكرية آمال الإيرانيين، دولةً وشعباً كما حلفاءهم العرب، لكنها أحرجت الأمريكيين، لاسيما الرئيس دونالد ترامب، الذي لم يتورع عن صبّ جام غضبه على حلفائه الأوروبيين المتخلفين عن مشاركته عدوانه الوحشي على إيران فوصفهم بأنهم جبناء، وأوحى بتصريحاته المتناقضة بأنه مصمم على متابعة الحرب من دونهم. المقرّبون منه سرّبوا معلومات غيرمؤكدة مفادها أنه عزّز أسطوله المحتشد في المحيط الهندي على بُعد نحو ألف كليومتر من إيران ببضعة آلاف من الجنود، قيل إنهم سيحاولون السيطرة على جزيرة خرج، حيث تسعون في المئة من احتياط إيران النفطي، بقصد الضغط عليها من أجل رفع سيطرتها عن مضيق هرمز الذي تمر عبره 20 في المئة من صادرات النفط والغاز إلى مختلف أنحاء العالم.

كلُ هذه الواقعات والتطورات والتسريبات، تشير مباشرةً أو مداورةً إلى أن الحرب الامريكية-الاسرائيلية ضد إيران وقوى المقاومة العربية قد تطول، فكيف تراها تكون تفاعلاتها وتداعياتها؟

بات واضحاً أن أمريكا وإسرائيل توافقتا على إنهاء حضور إيران كقوةٍ إقليمية كبرى، لكونها تشكّل خطراً وجودياً على كيان الاحتلال، كما على المصالح الأمريكية في غرب آسيا. وإذ أخفقت الدولتان المعتديتان في بلوغ هذا الهدف من خلال اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، والصف الأول من قادة الجيش والحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة) والاستخبارات والمواقع الرئيسية في هيكلية الدولة، فقد خلَصَتا إلى اتخاذ قرار حاسم بتدمير إيران تدميراً شاملاً، وتفكيكها وتقسيمها، باستثارة وتأليب أعراقها الخمسة (الفرس والعرب والبالوتش والكرد والأذريين) على بعضهم بعضاً، وتأجيج الانقسام التقليدي بين السنّة والشيعة، وتعميق الخلافات بين الدول الإسلامية المجاورة، ووضع اليد على موارد إيران النفطية والغازية.

تنفيذُ هذا القرار البالغ الخطورة والتداعيات الناشئة عنه، إقليمياً ودولياً، يبدو مستحيلاً في سياق الصراع الحالي المتسم بالحساسية الشديدة، وبتفاوت موازين القوى الدولية، واحتمال تعزيز كل من الصين وروسيا دعمهما السياسي واللوجستي لإيران، فضلاً عن ضخامة التحديات والضغوط وعمق الحساسيات في الداخل الأمريكي الذي يواجه استحقاقاً بالغ الأهمية بسبب الانتخابات النصفية المقررة في مطلع شهر نوفمبر المقبل، في وقتٍ تشير معظم استطلاعات الرأي إلى تراجعٍ كبير في تأييد الناخبين لترامب وحزبه الجمهوري، ما قد يؤدي إلى خسارته الأكثرية في مجلسيّ النواب والشيوخ. أمام هذه المخاطر والتحديات والحساسيات يجد ترامب نفسه أمام أربعة خيارات غير مضمونة النتائج:

*احتلال جزيرة خرج الإيرانية الكائنة إلى الشمال من مضيق هرمز، بغية السيطرة على معظم احتياط ايران من النفط والغاز والتهديد بالبقاء فيها إلى أن تتراجع طهران عن إغلاق مضيق هرمز في وجه الولايات المتحدة وشركائها وحلفائها في الصراع المتصاعد حالياً.

*استخدام أحد أسلحة الدمار الشامل (كالسلاح النووي التكتيكي مثلاً) لكسر صلابة إيران وصمودها بسرعةٍ قياسية، ظنّا منه (ترامب) أن ذلك ينشئ أمراً واقعاً يحدّ من التفاعلات الدولية السلبية من جهة، كما يتيح له من جهة اخرى تدميراً قاسياً وشاملاً لإيران يحول دون نهوضها لمدة لا تقلّ عن عشر سنوات.

*إسناد تنفيذ المهمة النووية سالفة الذكر لبنيامين نتنياهو، الذي لديه من الأسباب والحوافز والمخاوف والمطامع، ما يدفعه إلى القبول بإنجازها والمراهنة تالياً على استعداد الرئيس الأمريكي لتغطيته وحمايته من مفاعيلها وتداعياتها لاحقاً.

*العمل على هندسة تسويةٍ للخروج من المأزق الجيوسياسي والعسكري الراهن تتحمّل بموجبها أمريكا وحلفاؤها الإقليميون خسارة القليل من المصالح مقابل المحافظة على الكثير منها.

أرى، وربما غيري كثر، أن أياً من الخيارات، سالفة الذكر، صعب إن لم يكن مستحيلَ التحقيق، وإن إيران وحلفاءها العرب وغير العرب بمقدورهم، مهما طالت الحرب، الحؤول دون استمرار الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا وحتى في شرقها، وان إنكسار هيبة وهيمنة الولايات المتحدة، هو السبيل الأقصر إلى بناء نظام عالمي جديد عادل وفاعل، من شأنه منع نشوء أحادية قطبية وهيمنة وغطرسة واستغلال في المجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة