
الحرب بمنظار الأمد الطويل وتكنولوجيا نهاية الأزمان
وسام سعادة
حرير- هذه حرب غير مسبوقة بهذه الشدة والزخم والمدى في تاريخ الشرق الأوسط منذ الحرب الساسانية البيزنطية 602 – 628.
في تلك الحرب العالمية بمقاييس ذلك الزمان بين الإمبراطوريتين، والدينية – الإسكاتولوجية بامتياز، بين “تحالف” الزرداشتية والمسيحية النسطورية واليهودية من ناحية وبين المسيحية الملكانية من ناحية ثانية، و”على أرض” المسيحية المونوفيسية، السريانية والأرمنية والقبطية – في مناح كثيرة -، والتي خبرت فيه شعوب وأقوام المنطقة مشاهد وسرديات نهاية الأزمان كما لم يحصل من قبل ولا من بعد، حتى مع غزوات المغول في القرن الثالث عشر للميلاد، فقد امتدت المعارك والمجازر من جبال القوقاز حتى صحاري شبه الجزيرة الى وادي النيل، ومن ضفة البوسفور الى المدائن عاصمة الفرس على نهر دجلة، وشكلت تلك الحرب الضارية والمديدة والتي أتت على أنظمة الري في المشرق السياق التاريخي والجيو-ثقافي لظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية وصعوده وصولا الى صبغه بلونه الشرق الأوسط ككل. ولا غضاضة في استخدام تسمية الشرق الأوسط أحيانا، ذلك أن لها الى مضارها فوائد على صعيد إعمال النظرة الشاملة.
أما في الحرب المندلعة في إثر السابع من أكتوبر 2023 والتي بدأت بحرب الإبادة على قطاع غزة وتتالت مراحلها مع اتساع جبهاتها من لبنان وسوريا الى باب المندب ومن ثم انتقلت فيها إسرائيل من مرحلة “قص الأجنحة” الى مرحلة “ضرب الرئة”، لإثني عشر يوما في يونيو 2025 لوحدها أساسا، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتقصف المنشآت ويوقف إطلاق النار، ثم تعود كل من أمريكا وإسرائيل لشن حرب مشتركة على الجمهورية الإسلامية تبدأ بقتل المرشد علي خامنئي وأركان من نظامه أساسيين، فتندلع من ثم، بـ”استباق” من “حزب الله”، جبهة لبنان. في الحرب الحالية، المتسلسلة منذ أكتوبر 2023 والتي لا ينفك يتسع إطارها يأتي الهجوم الإسرائيلي على حقل باريس الجنوبي للغاز في إيران وقيام الأخيرة في المقابل باستهداف منشآت الغاز القطري ثم مصفاة لآرامكو في ينبع السعودية للدفع أكثر فأكثر في اتجاه دفع الكتلة الخليجية والعربية الى التصادم الشامل، إما مع إيران وإما مع أمريكا. في حرب القرن السابع الميلادي، ما استطاع عرب المناذرة، في الحيرة، والغساسنة، في بادية الشام، “تحييد” أنفسهم عن المقتلة الإقليمية. في حرب القرن الحادي والعشرين، تتداخل صراعات إسرائيل مع جماعات المنطقة، مع الصراع المذهبي السني الشيعي، مع الصراع الأيديولوجي بين السلطانيين والإخوانيين، وبين الخمينيين وأعدائهم من الإيرانيين، مع الصراع الذي لا ينتهي بين “العرب والعجم”. مع ذلك، فالحرب حتى الساعة تقوم على مفارقة عجيبة. هي من ناحية “حرب كلية”، ومن ناحية مقابلة “حرب محدودة”. فمن جهة، حرب تدمر مجتمعات بكاملها – غزة، المناطق الشيعية من لبنان – وتستهدف البنى التحتية والحيوية وتوجه فيها الضربات من مرشد جمهورية في إيران إلى عميد كلية علوم في الجامعة اللبنانية، لكنها تبقى حربا محدودا، طالما لم تحرك الجيوش البرية على نطاق واسع، ولم تنشط قنوات التعبئة العامة. وهي حرب محدودة للسبب نفسه الذي يجعلها مرتكزة الى تكنولوجيا المسافات، من طائرات وصواريخ ومسيرات وأنظمة روبوتية. الطابع الأوليغارشي والميليشياوي للحرب يتناقض مع صيرورتها حرب جيوش “وطنية – شعبية”.
مطلع القرن السابع كانت الحرب “صداماً ثقيلاً” بين جيوش متحركة، وهي اليوم تستعيض عن ذلك بكود برمجي وسرب مسيرات وصواريخ دقيقة. أما الخنق الاقتصادي فانتقل من الصراع على القمح في مصر والشام ومناجم الذهب والفضة والنحاس في طوروس وسوانيتي الى الخنق الاقتصادي المتصل بالنفط والغاز، والتحكم في خوارزميات البيانات وسلاسل إمداد الطاقة الرقمية. مع هذا، هل يمكن أن تكون الحرب حربا كلية حتى النهاية وتبقى محدودة على مستوى التعبئة والعمليات البرية؟ وهل يمكن أن يبعد هذا التناقض من كابوس استخدام أسلحة الدمار الشامل أو على العكس تماما، أن يقرّبه؟
بخلاف حرب كسرى وهرقل الروم والتي كانت فيها هذه المنطقة قلب العالم في العصر القديم المتأخر بامتياز، فهي اليوم مركزية على صعيد الطاقة الأحفورية والسرديات الإسكاتولوجية فقط – نهاية الزمان كمحرك للفناء – ، وطرفية – باستثناء طليعية إسرائيل على مستوى تكنولوجيات العصر الرقمي واقتصاد الابتكار العسكري، حيث أن الشركات التي تصمم برمجيات التعرف على الوجه أو تتبع البيانات هي ذاتها التي تمد الجيش بالقدرة على “تصفية الرؤوس” بدقة رقمية. الدولة الاستيطانية التي نظر اليها من نظر على أنها بشارة لاشتراكية تعاونية في الخمسينيات، هي اليوم مختبر متقدم للرأسمالية الإسكاتو-تكنولوجية. استهداف عميد كلية علوم بذكاء اصطناعي، أو شلل شبكة كهرباء إيرانية، هي “نماذج أولية” تُعرض على سوق عالمي ما عاد يمكن فصله ككل عن فرعه الذي كنا نسميه: سوق السلاح.
عام 2010 أصدر المؤرخ الأمريكي تيموثي سنايدر كتابه “بلاد الدم: أوروبا ما بين هتلر وستالين”، عن المحنة القصوى لشعوب المنطقة الواقعة بين ألمانيا وبين روسيا أي بولندا وأوكرانيا وبيلوروسيا ودول البلطيق عشية الحرب العالمية الثانية وخلالها وفي أعقابها. مع التحفظ على اتجاه كتابه للمعادلة بين الشيوعية والنازية بشكل أو بآخر، فإن شعوب الشرق الأوسط رازحة اليوم، بل منذ عقود ولو على نحو متنقل ومتصاعد، تحت ما هو شبيه بذلك. سنايدر نطق بمصاب شعوب سحقت بسبب الاستقطاب الستاليني الهتلري والجيوش المتحركة، أما شعوب الشرق الأوسط اليوم فلا تعيش تناقضا بين أيديولوجيتين تبحث كل واحدة منهما على مجالها الحيوي، بقدر ما تعيش صراعاً بين منطقين، أحدهما يريد توزيع الخراب على الجميع، والثاني يريد توزيع الخراب على كل من سواه. إمبراطورية الميليشيات الإسكاتولوجية التي يقودها الحرس الثوري في مقابل الأوليغارشية التقنية-الإسكاتولوجية الإسرائيلية. في حرب لا يظهر فيها أن هناك “هرقل روم” لديه شجاعة المغامرة كي يتقدم باتجاه سهل نينوى، حتى المدائن. في سهل نينوى، وقعت المعركة الفاصلة عام 627 للميلاد. هرقل، في مغامرة عسكرية لم يسبق لها مثيل، ترك القسطنطينية المحاصرة وتوغل في عمق الأراضي الساسانية ليواجه جيش كسرى في نينوى فحطم إمبراطورية عدوه. سهل نينوى هو رمز الحسم الميداني الجراحي الذي ينهي الحروب الطويلة. لكن حرب اليوم هي حرب الهروب من سهل نينوى. فالمواجهة البرية الشاملة تعني “تعبئة شعبية” قد تطيح بالنخب الحاكمة (الأوليغارشية والميليشياوية) قبل أن تطيح بالعدو. لذا، تبقى الحرب “جراحية في أداتها، وكلية في دمارها”. لم يعد الحديث عن تغيير وجه الشرق الأوسط، بل عن شرق أوسط يكون من دون ملامح. أماكن إما غير قابلة للحياة، وإما غير قابلة فيها الحياة لإحداث معنى.



