
الكلاكيت الأردني والتفكير في المشهد التالي
سامح المحاريق
حرير- عندما ينتهي الأداء التمثيلي بصورة غير مرضية للمخرج، تكون الإعادة ضرورية، وقبل أن تبدأ يحمل عامل لوحة سوداء عليها بعض التفاصيل ليهتف كلاكيت، ويتبعه بالرقم المتسلسل لمرات الإعادة، يمكن أن الأردن يعيش هذه الحالة مع تصاعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران بمختلف وشتى مقدماتها.
يشترك الأردن مع سوريا ولبنان ومصر في مصطلح لم يعد شائعا في المنطقة العربية، وهو دول الطوق، ويعني الدول التي تمتلك حدودا مباشرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحظيت هذه الدول بوضعية قلقة بشكل عام، فمن ناحية تسمع أصوات التذمر في بعض الدول العربية غير المتاخمة لـ(إسرائيل) وتصلها أصوات الجماهير الهادرة، بفتح الحدود لتحرير فلسطين، ومن ناحية أخرى، هي الدول الأكثر تضررا من أي اشتباك مع إسرائيل، خاصة أن كثيرا من الدول التي تستهلك خطاب المواجهة وفتح الحدود عادة ما تقدم دعما محدودا.
في الأيام التي سبقت حرب يونيو/ حزيران 1967 توجه الملك الحسين بن طلال إلى القاهرة، ليؤكد وقوف الأردن إلى جانب مصر في المعركة التي أصبحت شبه مؤكدة، بعد إغلاق مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، والطلب من القوات الدولية مغادرة سيناء، ومن الصعب القول إن الملك الحسين كان يتوقع شيئا كثيرا من المواجهة، ولكنه لم يتوقع أيضا الكابوس الذي خلفته النكسة وراءها، فالأردن كان يخسر الضفة الغربية الخصبة والنشيطة اقتصاديا.
لم يكن الاكتفاء بالمتابعة والمشاهدة على قائمة خيارات الملك الحسين، فالشارع الأردني يعيش حالة من الإجماع على المواجهة ويتطلع لحدوثها، والنكوص عن ذلك مكلف سياسيا، ولكن الأردن يتعلم درسا كبيرا ومهما، خاصة أنه يمتلك اطلاعا على الواقع العربي، وتغيب المتطلبات الأساسية للمواجهة، ويتابع الأوضاع في إسرائيل، ويعرف تحالفاتها الغربية العميقة، خاصة أن الملك الحسين كان قريبا من كواليس صناعة القرار في الغرب، ويعرف ما يتلقاه الإسرائيليون من دعم ومساندة، وإلى أي مدى ستقف وراءهم القوى الغربية في حال تعرضوا لتهديدات حقيقية. يعود الأردن ليعايش هذه الوضعية من جديد مع تصاعد التهديدات العراقية، ومرة أخرى يكون ضغط الشارع وتوقعاته المرتفعة وسعيه للمواجهة عاملا ضاغطا على القرار السياسي في عمان، والشارع الأردني كانت تحركه نصف الصورة التي تعيشها الشعوب العربية الأخرى، ورومانسية التضحية والفداء، مع أن ذلك لم يحدث لا في 1948 ولا في أي وقت لاحق، أما النصف الغائب عن الجميع فيتعلق بالسياسة الدولية وطبيعة حساباتها واستثماراتها في إسرائيل. النبرة المرتفعة التي حملها الإيرانيون بعد احتلال بغداد 2003 أقلقت الأردن، فالمشهد نفسه سيتكرر، ولا توجد أية عوامل يمكن أن تغير المصير المتوقع من ورائه، ومع الوقت تبدى أن ما تحققه إيران من تمدد في مجموعة من الدول العربية (العراق وسوريا ولبنان واليمن) غير منتج لأن هذه الدول تعيش مرحلة من التفكك وتبدو بعيدة عن التماسك وجوديا، وبدبلوماسية حذرة بقي الأردن يقصي إيران عن محاولات التقارب، ويتجاهل محاولات التضييق الإيرانية، بمعنى شعوره بوجود اللحظة التي سيجري فيها انهيار حالة التوازن التي نشأت بعد حرب يوليو/تموز 2006، وأن لحظة الحقيقة ستجعل الأردن وسط معادلة إعادة التشكيل، لا بوصفها خطرا وجوديا تجاهه، بقدر ما تمثل وقائع جديدة ستحمل تكاليف متزايدة في بلدٍ ما زال يسدد التكاليف القديمة المرحّلة.
يبدي الأردنيون ضيقا من الرشقات الصاروخية الإيرانية، خاصة أن الجانب الإسرائيلي تعمد في جميع هجماته تجنب الأجواء الأردنية، وبالتالي، بقيت نظرية السماء المغلقة في الاتجاهين قائمة، إلا أن الجولة الراهنة من الحرب واستهداف دول الخليج العربي، أدى إلى توسع الاستياء والمزيد من المشكلات في المعادلة الصعبة والمعقدة، فالأردن وبعد الربيع العربي يجد الخليج بوصفه العمق الأكثر استقرارا وقدرة على المساندة، خاصة في الفترة التي تصاعدت خلالها الأزمة السورية. ينشغل العالم بالحرب القائمة، ويتحدث عن الاحتمالات الممكنة لنهايتها، وفي وسط ذلك، فالأردن يظهر منشغلا بمرحلة ما بعد الحرب، فخروج إسرائيل منتصرة، أو بحصة أكبر من المكاسب، يعني تشجيعا لاتخاذ خطوات أخرى كبيرة ومنها ضم الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية بما يعني الوصول إلى الحافة، ونسف أية قواعد قامت عليها اتفاقية السلام، وإعلانا لمرحلة جديدة من الصراع تأتي على الطموحات الأردنية في تحقيق التنمية والتعافي الاقتصادي الذي يستند إلى تجاوز تبعات الربيع العربي.
يدرك الأردن أن المتبقي في النصف الأعلى من الساعة الرملية ليس بالكثير، وأن المساحات الرمادية التي كانت متاحة في العقد الأخير لم تعد قائمة، وبالتالي يضيق مجال المناورة، وينشغل الأردن بمرحلة ما بعد الحرب من اليوم، فإسرائيل ستندفع بنشوة كبرى في حال تحقيق أهدافها لتستكمل مشروعها في فلسطين وسوريا ولبنان، وفي المقابل، يبدو القرار الإيراني المتعسف والمتهور باستهداف الخليج العربي، والتوسع في ذلك للخروج من استهداف القواعد الأمريكية إلى المواقع المدنية، عاملا ضاغطا في حالة بقاء النظام الإيراني على شكله الحالي، بمعنى أن ذلك سيشكل جزءا من عقيدة سياسية وعسكرية جديدة في إيران.
دعا الأردن إلى ضبط النفس ورفض الانجرار إلى الحرب، وتشاركه دول الخليج في ذلك، ويبدو التقدير أن المخرج المناسب هو في حالة اللا غالب واللا مغلوب، التي تستعيد التوازن، مع وجود تأمين للمصالح العربية في المدى الطويل، ويبدو أن الدول العربية، ومن بينها الأردن، تستثمر هذه اللحظة في بناء مواقف قابلة لإعادة الإنتاج، ولتهيئة البناء عليها مستقبلا، خلافا للوضعية المرتبكة التي سادت بعد حرب الخليج الثانية وغزو الكويت، وما تركته من أثر سلبي عميق على الصف العربي.
يستمع الأردن للجميع حاليا، وينصت للتفاعلات ولكن التحرك استباقيا يبدو بعيدا عن الإمكانيات الأردنية المتاحة، ولا يرشح عن زيارات الملك الأخيرة للإمارات وقطر والبحرين، أي طروحات حول مرحلة ما بعد الحرب التي ستعني مزيدا من الأسئلة بالنسبة للأردن، ولكن الخطوة أتت لافتة في معناها ومضمونها، فالأردن ينضم طوعيا وبوعي كبير، ومن غير ضغط ثنائية الشارع والتكلفة، إلى محور الخليج الذي يجد نفسه في حرب، لا يستطيع أن يتحرك خلالها بالطريقة المناسبة، لأنها حرب أتت بتوقيت وشروط ومواصفات أمريكية – إسرائيلية.
يمثل الخليج في هذه اللحظة خيارا استراتيجيا للأردن أكثر منه هامشا، ولكن الخليج في المقابل، يبدو بعيدا عن تفهم الضغوطات الواقعة على الأردن لأن بعضها يتعلق بهيكل المجتمع والمؤسسات في الأردن، وما يمكن أن يقدمه بتعزيز المنعة الاقتصادية والسياسية في المرحلة المقبلة، ويبقى على الأردن أن يواصل إعمال خبرته في التفاعل والتكيف خاصة أن المشهد الذي يعيشه حاليا تكرار لخبرات سابقة ما زالت حاضرة ومؤثرة في الأردن.
يبدو الأردن معتادا على تكرار اللقطة ويمكنه أن يحولها إلى نمط للحياة، طالما أن المشهد التالي يمكن أن تأتي أحداثه على الحافة مع نص لم تكتب نهايته حتى الآن.



