هل يمكن هزيمة إيران؟

أحمد عويدات

حرير- إن التفوق العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي، الذي تمتلكه الولايات المتحدة و»إسرائيل» في حربهما ضد ايران، توحي للمصفّقين والمطبّلين لترامب ونتنياهو أن سحق إيران والانتصار عليها أمرٌ ناجزٌ، بيد أن هؤلاء السذج، نسوا أو تعاموا عن توافر عوامل كثيرة لدى إيران، يمكنها أن تجعل من هذه الحرب مستنقعاً آخر، أسوة بما حدث في أفغانستان وفيتنام والعراق ولبنان وغزة مؤخراً، تغرق فيه أطماع ترامب ونتنياهو وطموحاتهما، وتجعل من نصرهما المزعوم هزيمة نكراء؛ وإن كان من المبكّر الحديث عن نصرٍ أو هزيمةٍ في هذه الحرب.

إذا عدنا إلى عامل التفوق العسكري الجوي والبحري للولايات المتحدة والكيان الصهيوني. واعتمادهما على الأقمار الصناعية، وعمليات الاختراق السيبراني، وشبكات التجسس الإلكتروني، أو مجموعات العملاء الداخليين لتعقب منظومات الرادارات، ومواقع منصات الصواريخ، والمواقع الاستراتيجية الخاصة بالمشروع النووي، وأماكن وجود القادة والمسؤولين، فإن إيران تواجه هذا العامل المهم بتكنولوجيا متقدمة ومضادة، وبتكتيكات التمويه والإخفاء، لتموضع منصات صواريخها ومسيّراتها وقادتها داخل أنفاق وقواعد محفورة في الجبال، وموزّعة على امتداد الجغرافيا الإيرانية؛ ما يشكل حصناً منيعاً أمام القاذفات الاستراتيجية B52 وغيرها لاختراقها أو الوصول إليها وتدميرها.

وأمام عامل الحرب الخاطفة التي تميّز العقيدة القتالية العسكرية الإسرائيلية والأمريكية، فإن إيران قلبت المعادلة باتجاه إطالة الحرب، وتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة النفس؛ ما تزيد من كلف هذه الحرب اقتصادياً وبشرياً، وتُحوّلها إلى الاقتصاد الحربي وتكتيك «الصبر الاستراتيجي»، بعد أن كان اعتمادها على تكتيك «الإشباع الصاروخي والمسيّرات»، بهدف توسيع هذه الحرب لتشمل أطرافاً ودولاً إقليميةً أخرى، خاصة أن إيران استطاعت أن تنقل المعركة إلى ساحات العدو وحلفائه؛ عندما استهدفت القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية، والقواعد والمواقع في العمق الإسرائيلي، وإخراج بعضها من الخدمة، بعد أن استطاعت امتصاص آثار الضربة الأولى واحتواءها؛ ما بدا أن إيران كانت فعلاً مستعدةً لهذه الحرب، وعملت على ذلك منذ ثمانية أشهر، عقب انتهاء الحرب الأولى في يونيو الماضي. ثم إن تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية بكل مكوناتها، برز بقوة في هذه الحرب من خلال التفاف الجميع حول الدولة، وتجاوز الخلافات والانقسامات بين الموالاة والمعارضة، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة الأخرى؛ التي جعلت من الأزمة المعيشية بوابة لمواجهة النظام في المظاهرات والإضرابات الأخيرة، التي عصفت في البلاد، والتي استغلها عملاء الخارج، وخَدمة الأجندات الإسرائيلية والأمريكية. كل هذا يدل على اتساع الحس القومي، والشعور بالمسؤولية الوطنية للإيرانيين، وضرورة مواجهة ما يهدد كيانهم. فهم سليلو حضارةٍ تاريخيةٍ عريقةٍ، قارعوا خلالها الإمبراطورية الرومانية، وكل الغزوات التي تعرضوا لها. إنه الوعي الوطني للإيرانيين لمخاطر هذه الحرب ونتائجها الكارثية، على وجود إيران الوطن والدولة والشعب والتاريخ، وأن الأمر يتعدى هدف إسقاط النظام، أو تغيير سلوكه، بل سعى الأمريكيون إلى السيطرة على ثروات ايران، ونهب نفطها، والتحكم بسيادتها، ورسم مستقبل البلاد بأيادٍ خارجية. ولا تغفل عنا في هذا المقام، مسألة الارتباط بالعقيدة الواحدة التي لها الأثر البالغ في تفاعلها مع الحس القومي والهوية الوطنية.

ولا بد هنا من الإشارة، أن هذا الفسيفساء المجتمعي المتعدد الأعراق والمعتقدات والثقافات والأديان والمذاهب، شكل نسيجاً اجتماعياً متماسكاً؛ عبّر عن وحدة المجتمع الإيراني في مواجهة هذه الحرب المتهورة، فباءت بفشلٍ ذريعٍ محاولات اختراقه؛ بهدف إسقاط النظام وتنصيب البديل الإلحاقي التابع الخاضع لأجندة ترامب ونتنياهو. ولعل ما شهدته شوارع طهران- في الوقت الذي تتعرض فيه إلى قصفٍ عنيف – من مظاهرات مؤيدة ومبايعة لانتخاب المرشد الجديد مجتبى علي خامنئي؛ ما يشير إلى هذه الحقيقة وهذا الاختيار، الذي شكل تحدياً قوياً للثنائي الإسرائيلي الأمريكي الذي وعد بإسقاطه وتنصيب بديلاً عنه، كما صرح نتنياهو مؤخراً: «طموحنا أن نُمكّن الشعب الإيراني من إسقاط حكم الطاغية»، إضافة إلى العامل الديموغرافي الذي يعد نحو 80 مليونا،هناك العمق الجغرافي لإيران الذي يشكل عامل قوة لها، ويتيح توزع قوتها ومواقعها الاستراتيجية ومنصات صواريخها ومسيّراتها، ويُعقّد المشهد على الطائرات والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية؛ فيزيد من بعد المسافات، ويستنفد العتاد والذخائر؛ الأمر الذي بدأت أصوات في الإدارة الأمريكية تحذّر منه. وما أوصى به ترامب من ضرورة مضاعفة إنتاج السلاح والذخائر «بأربعة أضعاف». وكل هذا يزيد من الكُلف المالية للحرب، ويضع الاقتصاد الأمريكي والإسرائيلي أمام أزمة شديدة مقابل قدرة الإيرانيين على التصنيع المحلي والذاتي للصواريخ والمسيّرات. أما الموقف الأوروبي والصين وروسيا، حتى دول الخليج والمطالبة بوقف الحرب حفاظاً على مصالحها وأمنها، وعدم تهديد ممرات التجارة العالمية البحرية وغيرها، وحرمان هذه الأخيرة من إنتاج النفط والغاز بمعدلاته المعتادة، يبقى العامل الأبرز، الذي يصب في مصلحة ايران. أضف إلى ذلك، إن خشية الصين وروسيا من اقتراب الولايات المتحدة من حدودهما – في حال هزيمة إيران – يشكل عاملاً ضاغطاً من هاتين الدولتين لمواجهة التوسع الأمريكي هذا.

وفي جانبٍ آخر، وعلى الرغم من ضعف إمكانات وقدرات «أذرعة» إيران في لبنان والعراق واليمن، ألا أنها تشكل عامل ضغط يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، ويضرب العمق الإسرائيلي، ما يشكل رديفاً مهما لإيران، وقد يزيد من صمودها وثباتها، ويؤرق الإسرائيليين قبل الأمريكيين، ويحول دون تحقيق أهداف حربهم.

إن التفوق في الحروب ليس التفوق العسكري والتكنولوجي وامتلاك الآلة العسكرية الجبارة، بل الإرادة الصلبة والقدرة على الصمود والثبات؛ هذا ما تعلّمناه من آخر دروس المواجهة في غزة ومن الغزاويين.

مقالات ذات صلة