أبعد من الحرب… أبعد من ايران

سمير الزبن

حرير- لن يساهم ما يجري في إيران في رسم صورة المنطقة فحسب، بل سيساهم في رسم صورة العالم أيضاً، وقد بدأت هذه المساهمة قبل الحرب، ولن تنتهي بانتهائها، فأرض إيران تشكل، عند الإدارة الأميركية، المكان التجريبي لسياسة فقدت صوابها وخرجت عن كل منطق، غير عابئة بالقوانين، ولا بحياة البشر ودماء الضحايا البريئة في حربٍ عدوانيةٍ لم تُقنع مبرّراتها أحداً. فهنا تكشف السياسة الأميركية وشريكتها الإسرائيلية عن وجهها، الوجه الذي تعكسه سياسة لا تعبأ برأي الشارع العالمي ولا المحلي ولا برأي الدول الأخرى، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة، والانطلاق وراء سياسة أحادية الجانب لا ترى إلا نفسها، ولا تتبع إلا أسوأ الغرائز التدميرية، من دون أهداف واضحة. إنها نتاج سياسات الرئيس دونالد ترامب الإمبراطورية، المغرورة بقوتها التي تتفوق على الجميع.

بدأت هذه السياسة تتكشّف مع نجاح ترامب في الانتخابات الأميركية، ومعه صعود أقصى اليمين الأميركي الشعبوي المتطرف، بهذا الصعود وجد العالم نفسه في ورطة، وقد ازدادت هذه الورطة تعقيداً مع سياسةٍ أميركيةٍ تعتبر أن مصالح الولايات المتحدة ومهما تناقضت مع الدول الأخرى، حتى الحليفة، هي سياسة محقّة، ليس لقدرتها على الإقناع، بل لأنها القوة الأضخم في العالم، وسرعان ما اعتمد ترامب السياسات الفجّة بتهديد الجميع، الحلفاء قبل الأعداء. وقد قسّم العالم إلى ثنائية مبسّطة، من ليس معي فهو ضدّي بالمعنى الشخصي، وكأن السياسة صراع في الشارع، ولم يتورّع عن القول إنه سيقطع كل العلاقات مع إسبانيا لأنها رفضت الحرب، ولم تسمح باستخدام أراضيها في الحرب القائمة. توغلت أكثر في الثنائية المبسّطة مستندة إلى سياسة “القوة العارية” من أي غطاء قانوني.

ولأن السياسة أكثر تعقيداً من هذا التسطيح، ولأنه لا يمكن إدارة العالم على هذا التبسيط الشديد الذي يقسم العالم قسمة لا رجعة عنها. ولأنه لا يمكن ممارسة هذه السياسة على هذا الشكل من دون دفع العالم إلى الكارثة، ما دامت الدولة التي تمارسها هي القوة الأكبر في العالم، وفي مثل هذه الظروف وجد العالم نفسه في ورطةٍ من سياسات القطب الأقوى الإمبراطورية.

لقد اعتبرت إدارة ترامب أنها تحارب “الشر”، ومن حقّها أن تفعل ما تشاء، بمن تشاء، في الوقت الذي تشاء، وبالطريقة التي تختارها، وليس على العالم سوى التهليل لها ومباركتها، من دون أية معارضة، ما دامت تريد هذا. وعلى هذه الخلفية، أخذ ترامب يهدّد الدول الكبيرة والصغيرة في سياق سياسات رعناء تجاه الجميع. وبدل أن يواجه العالم هذه الرعونة، قدّم الجميع، وفي مقدّمتهم الدول الأوروبية التنازلات وراء التنازلات لإدارةٍ قرّرت ألا تتوقف عن طلب تحقيق رغباتها، بصرف النظر عن مشروعية هذه المطالب وقانونيتها أو توافقها مع الشرعية الدولية. وقد جاءت الحرب على إيران متناقضة مع القانون الدولي، الذي اعتبر ترامب نفسه غير معني بها، وليس مضطراً إلى تبرير العمل العسكري ضد إيران.

التفرّد الأميركي والابتزاز والعدوانية التي مورست على العالم لمصالح أميركية فجّة أوقف العالم على حقيقة أن الاستجابة للطلبات والابتزازات الأميركية سيجر العالم إلى مزيدٍ من التنازلات من دون توقف. وكان لا بد من ممانعة دولية والوقوف بوجه هذه الشره الأميركي لتركيع العالم بكل أقطابه عند الأقدام الأميركية. لكن السياسات الجبانة لدول كثيرة جعلت حكوماتها تتملق ترامب شخصياً أو تتجنب أذاه، والاستثناءان الكندي والاسباني يؤكّدان القاعدة.

خرقت الحرب الأميركية على إيران القانون الدولي واستهترت بالمؤسسات الدولية، وذهبت إلى حرب فائضة عن الحاجة، لتقول إدارة ترامب إنها تستطيع أن تفعل ما تشاء، وأن ما تقوم به في إيران، وسبق أن قمنا به في فنزويلا، هذه الطريقة في التعامل مع الآخرين جعلت ترامب يهدّد كوبا، بأنها ستلقى المصير نفسه، والقضية “مسألة وقت”، كما قال في أثناء استقباله فريق كرة القدم الفائز بالدوري الأميركي.

إنها سياسة “أزعر الحارة” المتجاوز لكل القواعد، لذلك يقوم نموذج الحرب على إيران على أن رجلاً واحداً منفلتاً من كل الضوابط، خارج الولايات المتحدة وداخلها، يضع القواعد بحسب مزاجه. ليست المشكلة إيران الملالي الدكتاتورية التي تقتل المتظاهرين. والتصدّي لهذا النوع من السياسة ليس دفاعاً عن النظام الإيراني، فهي ضرورة تاريخية لوقف تدهور العالم وتحويله إلى غابة، لها سيدٌ واحدٌ يحكمها بوصفه الإمبراطور.

لا يشكل الصراع على القواعد مسألة إجرائية في العالم، فقد وضعت السياسة الأميركية الآخرين في مأزق حقيقي، لأنها تريد الآخرين عبيداً للسياسة الأميركية في تشكيل العالم، وليسوا شركاء في عالم ملك الجميع، فأن يجري الاستناد إلى قواعد الشرعية الدولية لإنجاز وحدة للمجتمع الدولي مسألة جوهرية وحاسمة، مقابل التفرّد وفرض السياسة على الجميع.

لقد تضرّرت الأمم المتحدة بشدة جرّاء السياسة الأميركية التي يتعامل معها ترامب باحتقار، ويعمل على تقويضها من خلال الانسحاب من عشرات الهيئات الدولية ووقف تمويلها. والحرب على إيران ليست نهاية المطاف، فإذا لم يتم قول لا لإدارة ترامب وشكل علاقتها مع العالم، فإن الحرب الحالية مدخل لكوارث كبرى فيما تبقى من سنوات لإدارة هذا الرجل، والتي يمكن أن تكون الأساس الذي تُبنى عليه السياسات الأميركية بعد رحيلها. لذلك بات ضرورياً، وعلى مستوى العالم، ولأن الجميع متضرّر من السياسات العدوانية لإدارة ترامب من الضروري الوقوف في مواجهة هذه السياسة، التي تؤسّس لزمن “إمبراطوري أميركي”.

ليس الهدف من مقاومة سياسات ترامب الصدام مع الولايات المتحدة، بل مقاومة رؤية إدارة أميركية تعتقد أنها تملك العالم، وليست أحد الشركاء في هذا العالم الذي هو ملك الجميع. سياسة “القوة العارية” التي تتبعها إدارة ترامب، والتي تُظهر هذه الإدارة بوصفها “بلطجي العالم”، لا يمكن لها أن تمر، حتى لو كانت الولايات المتحدة تملك نصف القوة العسكرية في العالم، فالقوة وحدها لا تصنع السياسة، ولا يمكنها أن تشكل قواعد دولية لعالم معقد ومتنوّع، لأنها في نهاية المطاف ومن دون استنادها إلى دبلوماسية وقواعد دولية يتوافق عليها الجميع تبقى قوة هشّة، لها من مواقع الضعف ما يكفي لتوجيه الضربات القاسية إليها. والفرق هائل بين سياسة مستندة إلى قوة كبيرة وقوة عارية، الأولى تدير اللعبة وفق القواعد التي يتفق عليها الجميع مستعينة بقوتها الهائلة، والثانية تدير سياسة تحطّم القواعد، وتتحول في مطلق الأحوال إلى سياسة مدمّرة.

مقالات ذات صلة