ماذا عن الشعب الإيراني؟

لميس أندوني

حرير- نعم… هذه حرب أميركية -إسرائيلية ضد إيران، تهدف، فيما تهدف، إلى إخضاع المنطقة للهيمنة الإسرائيلية، وقبولنا بالتمدّد الصهيوني الاستيطاني في بلادنا.

أميركياً، نحن لسنا سوى قاعدة عسكرية ممتدة ومصدر ثروات للابتزاز، بحجّة توفير الحماية الأميركية لدولنا. وهذه كذبة سقطت منذ اليوم الأول للعدوان الثنائي ضد إيران؛ إذ وضعت الحملة العسكرية الحكومات الحليفة لواشنطن في خطر غير مسبوق من الانتقام الإيراني، وأعطت غطاءً لجولة جديدة من القصف الإسرائيلي الوحشي ضد لبنان وتشديد خناق التجويع في غزّة والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

واجبنا سياسياً وأخلاقياً الوقوف ضد هذه الحرب، بدون تبرير استهداف إيران اقتصاد الخليج ومنشآته الحيوية، ففي النهاية إيران بلد عريق في المنطقة، وهي المستهدفة من هذه المغامرة الصهيونية الأميركية. ولكن، في خضم الصراع المستعر يجب أن لا ننسى الشعب الإيراني، وأن لا نجعل موقفنا المبدئي ضد إسرائيل والاستعمار والقلق من عودة نظام حليف لإسرائيل، كحكم الشاه محمد رضا بهلوي، إلى الحكم، أن لا يجعلنا هذا نتغاضى عن حقيقة الاستبداد الذي عاشه الشعب الإيراني ويعيشه. فالأصل أن الثورة الإيرانية قامت ضد ظلم عائلة بهلوي وقمعها وتعسفها، وهي التي استفردت بالحكم وموارد البلاد، فطبيعي أن تصرخ فئات واسعة من الشعب الإيراني من وجع الكبت والقهر.

وحتى عند الحديث عن تحدّي الأهداف الإسرائيلية والأميركية، الواضحة في سعيهما إلى إخضاع شعوب المنطقة لهما، لا يمكن، بكل بساطة، أن نغفل وضع الشعب الإيراني، فأميركا تحاول أن تتحكم في نظامه، بعد إنهاكه وفقاً لمشيئة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس لأنه لا يريد تغيير النظام جذرياً، وإنما لأن هذا سيعني إرسال قوات برّية إلى إيران، كما فعلت أميركا في العراق وأفغانستان وهذا مكلف. كما أنه فشل في إنتاج نظم تستطيع أميركا الاعتماد عليها كما تريد، ولا نقول فشل في إنتاج نظم ديمقراطية، لأن نشر الديمقراطية من خلال الغزو التي ابتدعها “المحافظون الجدد” عشية قصف أفغانستان وغزو العراق في عامي 2001 و2003، كانت كذبة من أصلها وتكشفت لمن انخدع لها. ولكن هذا لا يعني أن بعض الفئات في شعوب تعاني الاستبداد لا تأمل أن يكون التدخل الخارجي، حتى لو كان إسرائيلياً، خلاصاً، خصوصاً أن الرئيس ترامب بدأ يردد هذه الكذبة أخيراً.

إضافة إلى الترويج في إعلام (وأوساط) ابن الشاه المخلوع، الذي يأمل باسترجاع إمبراطورية عائلته، واستمات بكل ذل وفجاجة لبرهنة ولائه لإسرائيل مؤيداً حروبها. وهذا مفهوم؛ إذ كان والده يُعرف بـ”شرطي المنطقة” والحليف الوحيد للدولة الصهيونية فيها.

لذا؛ علينا أن نتجاهل الأصوات المناهضة للنظام، وأن ندعم الأصوات الرافضة للعدوان والتدخل الخارجي التي تدين الحرب وترفض حلف المعارضة المدعوم من واشنطن، وأن نفضح حقيقة ارتباط هؤلاء باليمين الأميركي وإسرائيل، وهي أصوات مهمة، إذ إن من يرفض التدخل الخارجي، بالرغم من معاناته، ومنهم من خاض تجربة الاعتقال والسجن، يظهر شجاعة أخلاقية واستثنائية، فليس من السهل عدم تغليب الانتقام من الجلاد حين تكون ضحية. وأنا أفتخر بأن لدي أصدقاء وصديقات بينهم، كانوا شباباً يساريين خلال الثورة ثم انقلب نظام ولاية الفقيه عليهم، لكنهم في هذه اللحظة لا يؤيدون حرباً يعتبرونها عدواناً على وطنهم وشعبهم.

وقد أفردت مجلة ذا نيشن، الأميركية، مساحة خاصة في عددها الصادر في الأول من مارس/ آذار الجاري، تحت عنوان “الأصوات الإيرانية التي لا نسمعها في واشنطن” لكتّاب ونشطاء، وحتى مسؤولين إيرانيين سابقين من أجيال مختلفة ومنخرطة في معارضة الاستبداد، وكلها ترفض التدخل الخارجي، إذ إن أروقة صناعة القرار والإعلام في واشنطن لا تسمع إلا الأصوات التي تموّلها أميركا، أو حتى لا أظلم الجميع، المخدوعة بنيات أميركا التي تريد الخلاص من حكم ولاية الفقيه والملالي، أو عادة لا تكون معنية بالقضية الفلسطينية، لأن همها الأول التخلص من الظلم الواقع عليها.

من تجربتي، متابعةً عن بعد ومن عملي مراسلة في طهران في التسعينيات، علينا أن نفهم أن دعم طهران القضية الفلسطينية، وفصائل المقاومة، بغضّ النظر إذا كان إيماناً بالحق الفلسطيني أو توظيفاً له لتعميق نفوذها الاقليمي، قد ولّد ردة فعل معاكسة لدى إيرانيين كثيرين، فالشعب الإيراني، كجميع الشعوب، ومنها الشعوب العربية، مشغول بمشكلاته وهمومه اليومية والحياتية، والأسوأ أن هناك فئات أصبحت تربط بين النظام والفلسطينيين، وتعتقد أن فقرهم أو تدنّي وضعهم الاقتصادي ناتج عن إرسال أموال إلى الفصائل الفلسطينية على حسابهم، وهذا غير دقيق، والمسألة المهمة أنه لا يمكن تجاهل تأثير العقوبات المفروضة منذ عقود على إيران النظام والشعب. ولكن استياء هؤلاء من النظام يجعلهم يعتقدون هذا، ويجعلهم عرضة لتصديق كذب (وتضليل) الوسائل الإعلامية الأميركية التي تبث باللغة الفارسية، والموجهة أيديولوجياً إلى اعتبار إسرائيل صديقاً حضارياً لا عدواً عنصرياً.

يُساق ما تقدّم للتشديد على أن من الضروري التفكير في الشعب الإيراني حين نكتب أو نعلن مواقفنا، فمعاداتنا المشروع الصهيوني تتّسق مع وتنبثق من الالتزام بحقوق الإنسان والمبادئ الأخلاقية، لا يعني ان إيرانيين كثيرين أو عرباً أيضاً يعون هذا، ففي العقدين الأخيرين تراجع الوعي بالقضية الفلسطينية، وانتشرت ثقافة الاستسلام والخنوع، وحتى قبول الادّعاءات الصهيونية، ونرى ذلك في قنوات إخبارية وأعمال أدبية عربية، فما بالكم بتأثير هذه الدعاية على شعبٍ يعاني تحت نظام يرفع شعارات دعم فلسطين، لكنه يقمع شعبه؟

إيران بلد أصيل في المنطقة، ونظامه الحالي مستهدف، ليس لأنه نظام مستبدّ، وإنما لأنه الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تكون رادعاً أو على الأقل دولة تستطيع أن تحقق نوعاً من التوازن مع إسرائيل المدعومة والمزوّدة بأحدث ترسانة عسكرية وتكنولوجيا تستطيع أن توفّرها أميركا وأوروبا في العالم. بينما تشتري الدول العربية الأسلحة المسموح بها أميركياً ويشترط عدم توظيفها لمواجهة إسرائيل أو حتى ردعها، وتفرض علينا قواعد أميركية لحماية إسرائيل. وكما ثبت في هذه الأيام، لا تحمي هذه القواعد الدول العربية المضيفة، بل تعرِّضها للخطر، وتضعها في موقع وكأنها تقبل بحمايتها إسرائيل، إذ لا يهم قبولها بذلك من عدمه.

موقفنا ضد الحرب مبرّر بل واجب. ولكن إذا بقي النظام في إيران، فلا بد من الوقوف مع الشعب الإيراني بالمطالبة بالحقوق والحريات والعدالة. والخطر طبعاً أن تفرض أميركا نظاماً موالياً لها، لا يؤمن بحرّيات أو حقوق، فلا نظام تفرضه أميركا، إذا نجحت، تكون أولويته العدالة والحريات لا التوزيع العادل للثروات، بل نهب الثروات وتحقيق حلم ترامب من بيعها واستغلالها كما يحدث في فنزويلا، وأعتقد أن هذا ما تريد فرضه أميركا على كل الدول والشعوب.

وعليه، أختم بدعوة المثقفين العرب التحرّريين بالتواصل مع المثقّفين الإيرانيين، والكفّ عن ترديد الخطاب الذي يفرض علينا وعلى الإيرانيين الخطاب التخويني لمن يعارض النظام أو ينتقده، فطموحات الشعب الإيراني العريق لا تختلف عن طروحاتنا.

مقالات ذات صلة