الذهب يفقد بريقه سريعًا… تصحيح حاد أم بداية مسار هابط؟

 

 

بقلم: د. تالين حميدي

 

تعرضت أسواق المعادن النفيسة لهزة قوية، بعدما هبط الذهب بأكثر من 4.5% ليقترب من مستوى 5073 دولارًا للأوقية، في انعكاس حاد لمسار الصعود الذي غذّته سابقًا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

 

هذا التراجع لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية: قوة الدولار، توقعات الفائدة الأمريكية، وعمليات جني الأرباح المكثفة.

 

الدولار القوي… الضغط الأكبر على الذهب

 

ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 1% ليقترب من مستوى 99.57 نقطة، وهو الأعلى منذ ديسمبر 2025 تقريبًا. تاريخيًا، العلاقة بين الذهب والدولار عكسية؛ فكلما ارتفعت العملة الأمريكية، تراجعت جاذبية المعدن الأصفر المقوّم بها.

 

التحول اللافت أن المستثمرين اختاروا الدولار كملاذ آمن مؤقت، بدلًا من الذهب، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية. وهذا يعكس تغيرًا في شهية المخاطرة، وليس تراجعًا في حجم المخاطر نفسها.

 

الفائدة والتضخم… معادلة تضغط على المعدن الأصفر

 

ارتفاع أسعار النفط إلى حدود 82 دولارًا للبرميل أعاد إشعال المخاوف التضخمية في الولايات المتحدة، ما عزز التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يُبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

 

الفائدة المرتفعة تعني عوائد أفضل على الأصول المدرة للدخل، ما يقلل من جاذبية الذهب الذي لا يدرّ عائدًا. لذلك جاء الضغط مزدوجًا: دولار أقوى، وتوقعات نقدية أكثر تشددًا.

 

جني الأرباح… بعد قمة 5400 دولار

 

قبل أسبوع فقط، لامس الذهب مستوى 5400 دولار للأوقية، ما دفع كثيرًا من المستثمرين إلى تثبيت الأرباح وإعادة موازنة محافظهم. هذا السلوك طبيعي بعد موجات صعود حادة، لكنه يتحول إلى ضغط قوي عندما يتزامن مع تغير في التوقعات النقدية.

 

المعادن النفيسة… نزيف جماعي

 

لم يكن الذهب وحده في دائرة الخسائر:

• الفضة تراجعت بنسبة 7.86% إلى 82.33 دولارًا للأوقية.

• البلاتين انخفض 10.51% إلى 2,066.55 دولار.

• البلاديوم هبط 7.47% إلى 1,660.75 دولارًا.

 

هذا التراجع الجماعي يعكس خروج سيولة من قطاع المعادن ككل، وليس مجرد تصحيح فردي في الذهب.

 

هل انتهى دور الذهب كملاذ آمن؟

 

رغم استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن الأسواق أعادت تسعير المخاطر بطريقة مختلفة. التراجع الحالي لا يعني تراجع التوترات، بل يعكس تحوّلًا مؤقتًا في أدوات التحوط.

 

إذا تصاعدت المخاطر الجيوسياسية أكثر، أو شهدت الأسواق اضطرابات مالية أعمق، فقد يعود الطلب على الذهب بقوة. أما إذا استمر الدولار في الصعود وبقيت الفائدة مرتفعة، فقد يبقى المعدن تحت الضغط خلال الأسابيع المقبلة.

 

الذهب اليوم لا يتحرك بالعاطفة… بل بتوازن دقيق بين السياسة النقدية، قوة الدولار، ومخاطر الجغرافيا السياسية. وفي هذه البيئة، التقلب هو القاعدة لا الاستثناء.

مقالات ذات صلة