البطالة الأميركية الأدنى منذ 49 عاماً

انخفض معدل البطالة الأميركية خلال سبتمبر/أيلول الماضي إلى مستوى 3.7%، وهو الأقل منذ ديسمبر/كانون الأول لعام 1969، حيث أضاف أصحاب الأعمال وظائف للشهر السادس والتسعين على التوالي، في أطول فترة تحدث فيها إضافات متتابعة لفرص العمل في تاريخ الولايات المتحدة.

وقالت وزارة العمل إن الشركات العاملة في الولايات المتحدة “استحدثت 134 ألف وظيفة إضافية خلال الشهر الماضي”، وأن “الأجور ارتفعت في المتوسط 2.8% مقارنة بالعام الماضي”.

وكالعادة غرد الرئيس دونالد ترامب وكثير من أعضاء الحزب الجمهوري، على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، محتفلين بالأرقام المحققة. كما غردت إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس، معربة عن سعادتها بانخفاض نسبة البطالة بين النساء إلى 3.6%، أقل مستوياتها منذ 65 عاماً.

وإذا كانت البطالة قد وصلت إلى هذا المعدل الشديد الانخفاض مرتين خلال السبعين عاماً الأخيرة، فإن نظرة مدققة إلى الإحصاءات تقول إن هاتين المرّتين تميّزتا بكون الولايات المتحدة في حالة حرب بالفعل، كما حدث عام 1969 إبّان حرب فيتنام، أو أن الأمر كان مرتبطاً بانتهاء إحدى الحروب، مثلما حدث عام 1955 بعد انتهاء الحرب الكورية.

وتتميز تلك الفترات بانخفاض معدلات البطالة كنتيجة لارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، الأمر الذي يُضفي أهمية خاصة على انخفاض معدل البطالة حالياً، والذي يأتي بعيداً عن أي حروب تخوضها أو تتأثر بها الولايات المتحدة.

وبعد انخفاض معدلات البطالة إلى تلك المستويات القياسية خلال الأشهر القليلة الماضية، أعرب مايكل كيلي، عضو مجلس إدارة بنك الاحتياط الفيدرالي ونائب مدير إدارة الاستقرار المالي فيه، عن قلقه من انخفاض معدل البطالة إلى هذه المستويات المتدنية، وقال “عندما يكون معدل البطالة منخفضاً، فإن احتمالات زيادته بشكل حاد خلال السنوات الثلاث المقبلة تكون أعلى بكثير”.

وأكد كيلي في دراسة له عن دورات الأعمال خلال الفترة من 1960 إلى 2017، أن نمو معدلات الإقراض فوق المعدلات المعتادة يزيد من مخاطر ارتفاع معدلات البطالة في المستقبل.

 

وجاءت كلمات كيلي متماشية مع رؤية البنك الفيدرالي، الذي اعتبر انخفاض معدل البطالة في الفترة الأخيرة “زائداً عن اللزوم”، على حد تعبيره، وأيضاً مع كلمات إريك روزنجرن، رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي في بوسطن، الذي قال قبل أسبوعين إنه “عند انخفاض معدلات البطالة إلى تلك المستويات، كما هي حالياً، فإن الركود لا محالة آت”.

 

وعلى نحوٍ متصل، وفي الكلمة التي أعدتها مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، لإلقائها في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في مستهل اجتماعات الخريف التي تجري في بالو بإندونيسيا حالياً، ونشرها الصندوق على موقعه قبل يومين، ذكرت لاغارد أن الدين العالمي، العام والخاص، قد بلغ أعلى مستوى له في تاريخه بوصوله إلى مستوى 182 تريليون دولار، وهو ما يعني أنه زاد بنسبة 60% مقارنة بعام 2007.

 

واعتبرت لاغارد أن هذا من شأنه أن يجعل الحكومات والشركات أكثر عرضة لمخاطر تقييد الإقراض ورفع معدلات الفائدة.

بدوره، أظهر الاقتصادي الكبير بول دافيدسون، قلقه من انخفاض معدل البطالة إلى هذه الدرجة، وقال “نعم، الأخبار مبهرة، ولكن معدل بطالة بهذا الانخفاض يحمل الكثير من الدلالات”.

 

وأكد دافيدسون أن انخفاض معدل البطالة إلى هذه المستويات القياسية “قد يتسبب في إبطاء معدلات نمو الاقتصاد الأميركي، ويرفع معدلات التضخم، وبالتالي يضطر البنك الفيدرالي لتسريع وتيرة رفع معدل الفائدة الأميركية”.

 

لكن تشارلي كيرك، مؤسس ورئيس منظمة “تي.بي.يو.إس.أيه” غير الهادفة للربح، والتي تهدف لنشر الوعي الاقتصادي، رأى أن “هذا هو أقوى اقتصاد في تاريخ الولايات المتحدة”.

 

أما دين بيكر، كبير الاقتصاديين في مركز أبحاث الاقتصاد والسياسة في العاصمة واشنطن، فقد رأى أنه “بالفعل انخفضت البطالة إلى أحد أقل مستوياتها في عقود، لكن الطريق ما زال طويلاً لتعويض الخسائر التي نجمت عن الركود الكبير (يقصد الأزمة المالية في 2008)، وأيضاً لمحو آثار 3 عقود من عدم ارتفاع الأجور”.

 

وفي مقالٍ على موقع “ذا بروسبكت”، أعرب بيكر عما يقلقه في الأخبار الجيدة، وأشار إلى استمرار ضعف معدل ارتفاع الأجور، والذي سجل 2.8% مقارنة بالعام الماضي، “أي أنه ما زال قريباً جداً من معدل التضخم، وهو ما يعني أن الزيادة الحقيقية في معدل الأجور تكاد تكون صفراً”.

واعتبر بيكر أن ذلك يعني أنه على رغم انخفاض معدلات البطالة، فإن الكثير من العمال لا توجد لديهم القوة التفاوضية الكافية لضمان تحقيقهم مكاسب حقيقية في ما يتعلق بالأجور.

 

وفي الاتجاه ذاته، وفي مذكرة حديثة صدرت عن معهد “بروكنغز”، وشارك في تحريرها الباحثان الاقتصاديان ريان نان وجاي شامبوغ، أكد الباحثان أن الدخول الحقيقية في الولايات المتحدة ارتفعت، بينما ظلت الأجور الحقيقية التي يحصل عليها العمال ثابتة، على اعتبار أن معدل الزيادة الاسمية فيها مقارب جداً لمعدل التضخم.

 

هذا ما اعتبره الباحثان تأكيداً على أن ارتفاع متوسط دخل الأميركيين ليس دليلاً على ارتفاع مستوى معيشتهم، بقدر ما هو انعكاس لزيادة معدلات التوظيف وانخفاض البطالة.

 

مقالات ذات صلة