قسد بين انسداد المسار التفاوضي مع دمشق وتآكل المظلة الأمريكية

خليل البطران

حرير- تعثّر المفاوضات: خلاف بنيوي لا تقني

لا يزال المسار التفاوضي بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحكومة دمشق يراوح مكانه، رغم تعدد الجولات والوساطات غير المعلنة. فجوهر الخلاف لم يعد مرتبطا بتفاصيل إجرائية أو أمنية، بل بطبيعة الصيغة السياسية للدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب.

«قسد» ما زالت تطرح نفسها كقوة عسكرية ـ سياسية تسعى إلى الحفاظ على شكل من أشكال اللامركزية الإدارية والعسكرية، بما يضمن لها نفوذا مؤسسيا في مناطق سيطرتها. في المقابل، تصرّ دمشق على مقاربة تقليدية تقوم على إعادة دمج الأفراد، ضمن مؤسسات الدولة، مع رفض أي كيان عسكري أو إداري ذي طابع مستقل أو شبه مستقل.

هذا التباين البنيوي، جعل المفاوضات أقرب إلى إدارة خلاف، لا إلى تسوية حقيقية، ما يفسر تعثرها المتكرر رغم الإشارات الإيجابية التي تظهر أحيانا في الخطاب الإعلامي للطرفين.

من التفاوض السياسي إلى المقاربة التنفيذية

في مراحل سابقة، امتنعت الحكومة السورية عن استقبال وفود سياسية موسعة تمثل «قسد»، مفضلة الاكتفاء بقنوات محددة يُقال إنها ترتبط بتفاهمات أولية مع قيادة «قسد». ويعكس هذا السلوك توجّه دمشق إلى التعامل مع الملف بوصفه مسألة تنفيذية ـ أمنية، لا مسارا سياسيا مفتوحا، إذ ترى دمشق أن الإطار العام للتسوية قد حُسم، وما تبقى هو آليات التطبيق، في حين ما تزال قسد تطالب بضمانات سياسية واضحة، ما يعمّق فجوة الثقة بين الطرفين. رغم أن الولايات المتحدة لم تعلن انسحابا نهائيا من سوريا، إلا أن سياستها خلال المرحلة الأخيرة تتسم بتقليص الانخراط المباشر، والتركيز على ملفات محددة، مثل محاربة تنظيم داعش، ومراقبة التحركات الإيرانية، وحماية المصالح الاستراتيجية بأقل كلفة ممكنة. هذا التوجه أضعف موقع «قسد» التفاوضي، إذ بات واضحا أن واشنطن لم تعد مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة دفاعا عن مشروع سياسي شمال شرق سوريا، بقدر ما تسعى إلى إدارة مرحلة انتقالية تضمن عدم انهيار أمني مفاجئ، ولو جاء ذلك على حساب سقف طموحات «قسد».

تتعامل الحكومة السورية مع عامل الوقت بوصفه عنصر قوة، فهي تدرك أن «قسد» تواجه تحديات داخلية متزايدة، سواء على مستوى الحاضنة الشعبية في المناطق ذات الغالبية العربية، أو على مستوى الانقسامات داخل بنيتها القيادية، بين تيار براغماتي يميل للتسوية، وآخر متشدد يراهن على استمرار الدعم الخارجي. هذا الإدراك يجعل دمشق أقل استعجالا وأكثر ميلا لترك «قسد» أمام استحقاق الاختيار بين تسوية مكلفة سياسيا أو مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات. بالتوازي مع الجمود السياسي، يشهد الميدان تحركات عسكرية وأمنية تعكس حالة «اللاحرب واللاسلم». فعمليات التحصين، وإعادة الانتشار، والتجنيد، تُستخدم كأدوات ضغط ورسائل ردع متبادلة، أكثر من كونها مؤشرا على قرار فوري بالحسم العسكري. غير أن خطورة هذا الواقع تكمن في قابليته للانفجار عند أي خطأ في الحسابات، خاصة في ظل تداخل اللاعبين الإقليميين، وعلى رأسهم تركيا، التي تراقب المشهد وتحتفظ بخيارات التدخل متى رأت أن مصالحها مهددة.

فشل التفاهمات وانعكاسها الميداني

تأتي هذه القراءة في وقت كشفت فيه مصادر رسمية سورية، وفق ما نقلته الإخبارية السورية، عن وجود مفاوضات جرت مؤخرا بين الحكومة السورية وميليشيا «قسد»، من دون أن تُسفر عن أي تقدم ملموس في تنفيذ اتفاق 10 آذار، ولاسيما في الشقين الأمني والعسكري. ولم يلبث هذا التعثر أن انعكس ميدانيا، مع تسجيل تصعيد أمني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، الخاضعين لسيطرة «قسد»، في مؤشر واضح على أن الجمود السياسي بات يُترجم مباشرة على الأرض، وأن الاتفاقات القائمة تفتقر إلى آليات إلزام حقيقية وقابلة للاختبار الميداني.

المتغير الإقليمي والدولي: تضييق هوامش المناورة

إقليميا، تشهد المنطقة مسار إعادة تموضع سياسي تُعاد فيه صياغة العلاقات والتحالفات، وفق منطق المصالح لا الشعارات. ودوليا، لم تعد سوريا ملفا ذا أولوية قصوى، بل جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه اعتبارات الأمن والطاقة والتوازنات الكبرى. في هذا السياق، تتراجع قدرة «قسد» على المناورة، بعدما فقدت كثيرا من أوراق الضغط، التي كانت تمتلكها في سنوات سابقة، سواء بفعل التحولات الدولية أو التغيرات الميدانية.

أرى أن مآلات ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأشمل، ولا سيما مسار التفاهمات الأمنية غير المعلنة في الجنوب السوري. فمستقبل «قسد»، حسب رأيي، مرهون بدرجة أساسية بمدى إنجاز اتفاق أمني بين حكومة دمشق والكيان الصهيوني، سواء جاء على شكل اتفاق مباشر، أو تفاهم برعاية دولية يهدف إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة وضمان أمن الحدود الجنوبية. في هذا الإطار، يغدو مفتاح الحل الحقيقي خارج شمال شرق سوريا، وليس مرتبطا بأمرالي، حيث يقبع عبد الله أوجلان، كما يزعم البعض، إذ لم تعد العوامل الأيديولوجية أو التنظيمية هي الحاكمة للقرار، بقدر ما تحكمه حسابات الأمن الإقليمي والتوازنات الدولية.

تقف «قسد» اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فالحل السياسي المتاح، على الرغم من كلفته العالية، قد يضمن بقاءها ضمن معادلة الدولة السورية، ولو بشروط أدنى من طموحاتها. أما خيار التصعيد، فيحمل مخاطر كبيرة في ظل اختلال ميزان القوى، وتراجع الغطاء الدولي، وتشابك الجبهات المحتملة. وبين هذين الخيارين، يبدو أن مستقبل «قسد»، ومعه مستقبل شمال شرق سوريا، سيتحدد بمدى قدرة الفاعلين المحليين والدوليين على إنتاج تسوية واقعية، أو الفشل مجددا والدخول في مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، حيث ليس هناك رابح حقيقي.

مقالات ذات صلة