
رؤية هاكابي حول إسرائيل الكبرى… الأيديولوجيا والظرف السياسي
إحسان الفقيه
حرير- «في ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات».
تعد هذه الآية من سفر التكوين في العهد القديم، عمدة استدلال الصهيونية وأتباعها على وجود حق ديني توراتي لليهود في فلسطين، وهناك إصرار شديد على هذا الادعاء، على الرغم من أنها لم تقطع بكون بني إسرائيل (يعقوب) هم النسل الوارث لهذه الأرض، لأن إبراهيم عليه السلام هو والد إسماعيل أب العرب، كما أنه والد إسحاق أب يعقوب.
هذا العسف التفسيري لا يأتي من قبل الإسرائيليين فحسب، بل يصر عليه رموز السياسة الأمريكية، كان آخرهم السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي، الذي أكد خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، أن هذه الأرض قد أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعب اختاره، وبموجب هذا الاستدلال لا يرى هاكابي بأسا في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يتفق مع حلم إسرائيل الكبرى التي تضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية ومصر.
رؤية السفير الأمريكي لا تمثل مجرد رأي ديني شخصي، بل موقع الرجل الدبلوماسي يفرض القول، إن هذه الرؤية تعكس تصورا سياسيا رسميا يضرب قواعد القانون الدولي ومفهوم الدولة الوطنية في الصميم. هذا التصريح الخطير الصادر عن دبلوماسي رفيع المستوى، يحمل مضمونا توسعيا وتبريرا صارخا للسيطرة على دول ذات سيادة، تأسيسا على سرديات دينية تحدد خرائط القرن الواحد والعشرين.
إلى عهد قريب، كانت فكرة الحق التوراتي في دولة من النيل إلى الفرات، محصورة في الخطابات الأيديولوجية الهامشية أو في أدبيات المنظمات الصهيونية، أما أن تتحول إلى صلب خطاب لسفير يمثل دولة عظمى، فهذا بلا شك يرفعها من مستوى الجدل الفكري إلى مستوى الإشارة السياسية ذات الدلالات العميقة، لكن مثل هذه الرؤية ليست هي الأولى من نوعها بين رموز السياسة في الولايات المتحدة، فقد برزت في تصريحات العديد منهم، يشتركون في أمر واحد، أنهم مثل هاكابي ينتمون إلى الطائفة الإنجيلية التي تؤمن بحرفية العهد القديم والجديد معا، ووفقا لاعتقاد الإنجيليين فإن قيام دولة إسرائيل تمهيد لعودة المسيح المخلص الذي يواجه الأشرار في معركة كبرى تسمى «هرمجدون»، ويرى هؤلاء أن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تأخير للوعد الإلهي. هذه المعتقد قامت على أساسه عدة حركات دينية أبرزها الحركة التدبيرية، التي ضمت عشرات الملايين من الأمريكيين، منهم الرئيس الأسبق ريغان، الذي ذكرت الكاتبة الأمريكية جريس هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة»، أنه كان شديد الكراهية لدولة ليبيا لأنه يعتقد أنها من ألد أعداء إسرائيل، الذين تحدثت عنهم النبوءات.
الإنجيليون – أو الحرفيون، أو الصهيونية المسيحية- أصحاب نفوذ اجتماعي وإعلامي بالغ القوة والتأثير، ويحتلون مناصب رفيعة ويسيطرون على مفاصل الدولة، واستطاعوا تكوين ضمير جماعي داعم لإسرائيل في الداخل الأمريكي.
بالنظر إلى السياق والظروف السياسية، يأتي تصريح السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، في وقت يعمل فيه الإسرائيليون، باتجاه توسيع نطاق الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، من أجل ضم الضفة، وهو الثمن الذي يرغب فيه الإنجيليون من ترامب، باعتباره مدينا لهم بنجاحه في الوصول إلى البيت الأبيض، وكان إبان حملته الانتخابية الأخيرة قد أطلق تصريحا صادما في أن إسرائيل مساحتها صغيرة، ومن حقها أن تتوسع، فجاءت تصريحات هاكابي كمباركة لسعار التوسع الاستيطاني. وفي السياق، يستميل هذا التصريح – الداعم للتوسع الإسرائيلي- اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، من أجل دعم الحزب الجمهوري ـ حزب ترامب- في الاستحقاق الانتخابي المنتظر هذا العام، وهو انتخابات التجديد النصفي، الذي يتنافس خلاله الجمهوريون والديمقراطيون على مقاعد الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، فالحزب الجمهوري يدافع فيها عن أغلبيته التي مكنته من تمرير بنود أساسية في برنامجه، بينما يحشد الديمقراطيون لإيقاف أجندة الجمهوريين وإنجاح مساعيهم من عزل ترامب حال فوزهم.
ومن المعلوم أن الحزب الجمهوري يدعم دولة الاحتلال بقوة، ويقوم على قاعدة شعبية واسعة من الإنجيليين المتحمسين للسياسات الإسرائيلية، والذين ينتمي إليهم هاكابي، والذي يستميل بتصريحه – عن حلم إسرائيل الكبرى- اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة من أجل دعم الحزب الجمهوري في الانتخابات.
تصريحات السفير الأمريكي تظهر حجم التناقض الذي تتعامل به الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية والأمة العربية، إذ كيف يتفق هذا التصريح الإمبريالي التوسعي، مع سعي الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بين العرب والإسرائيليين وقبول البيئة العربية بوجود إسرائيل، واندماجها في المحيط العربي؟ كما أن التصريح يتجاوز إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويمتد إلى السيطرة على أراض في عدة دول عربية، ويدخل في نطاق التهديد المباشر للأمن القومي العربي، فهنا لم يعد الأمر متعلقا بحدود 1967 أو بالمستوطنات، بل بمشروع إقليمي واسع يعيد رسم الخريطة السياسية على أساس لاهوتي، ومن هنا يصبح الحديث الأمريكي عن حل القضية الفلسطينية على مبدأ حل الدولتين أو غيره ضربا من العبث.
الموقف العربي الرسمي كان قويا، إذ سارعت دول عربية أبرزها السعودية والأردن ومصر لاستنكار ذلك التصريح ودلالاته، والتأكيد على الحق الفلسطيني والحق السيادي للدول العربية، لكن هذا غير كاف في مواجهة النوايا الإسرائيلية المبيتة لتفكيك الدول العربية، فلا بد من تعاون استراتيجي وتعزيز التكامل بين الدول العربية لتفادي هذه الكارثة قبل أن تفاجأ بوقوعها.



