عدم حبس المدين.. ماذا حققنا؟

سلامة الدرعاوي

حرير- بعد 8 أشهر على دخول قرار وقف حبس المدين حيز التنفيذ، لم يعد السؤال قانونيا لكن اقتصاديا واجتماعيا بامتياز، وهنا نسأل ماذا أنتجنا فعليا؟ وهل تراجع التعثر أم اتسع؟ هل تنفست الأسر الصعداء أم انتقل الضغط إلى طرف آخر في المعادلة؟

التعديل على قانون التنفيذ عام 2025 يعتبر تحولا في الفلسفة التشريعية؛ انتقالا من منطق الزجر والعقوبة إلى منطق المعالجة وإتاحة الفرصة، إذ إن الفكرة الجوهرية كانت واضحة، بان الحبس لا يسدد دينا، وتعطيل طاقة الفرد الإنتاجية قد يفاقم عجزه عن الوفاء، ومن هذا المنظور، بدا القرار منسجما مع المعايير الدولية، ومع توجهات تحصر الحبس في أضيق الاستثناءات، مثل الحقوق العمالية، والإيجارات، والنفقة، وبعض الحالات المحددة.

لكن على الأرض، المشهد أكثر تعقيدا، في الشارع التجاري تتكرر عبارات لا أستطيع تحصيل حقي، والبيع الآجل توقف، والمخاطرة تضاعفت، إذ إنه وخلال الأشهر الثمانية الماضية، برزت شكاوى من ارتفاع وتيرة المماطلة في بعض القطاعات، وتراجع الثقة في التعاملات المؤجلة.

بعض التجار يتحدثون عن ضائقة سيولة، وشركات صغيرة تشكو من تأخر تحصيل مستحقات، لكن لا توجد أرقام رسمية مكتملة تقيس حجم الأثر بدقة، لكن المؤشرات الميدانية تعكس توترا في بيئة الائتمان التجاري غير المنظم.

وفي المقابل، من الخطأ اختزال المسألة في أن وقف الحبس أسقط هيبة الالتزام، لذلك وقف الحبس لا يعني إسقاط الدين، ولا إلغاء أدوات التنفيذ، لذلك ما زالت هناك بدائل قانونية، كالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة، ومنع السفر، واقتطاع جزء من الدخل، وتسويات وجدولة تحت إشراف القضاء.

والسؤال الحقيقي هل البديل فعال وسريع بما يكفي لحماية حقوق الدائن دون الإضرار بكرامة المدين؟

الواقع يكشف أن نجاح القرار يقاس بكفاءة التطبيق، فإذا كانت إجراءات الحجز بطيئة، أو كانت آليات تتبع الأموال ضعيفة، فإن الدائن سيشعر بأن ميزان العدالة مال ضده، وإذا كانت ثقافة الاقتراض والاستهلاك غير منضبطة، فإن بعض المدينين قد يسيئون استخدام هامش الحماية، وهنا تتداخل التشريعات مع الإدارة القضائية، ومع الثقافة المالية في المجتمع.

من زاوية اقتصادية أوسع، لا يمكن تجاهل أن الحبس كأداة ضغط كان يحمل كلفة غير مباشرة على الاقتصاد، وإخراج أفراد من سوق العمل، وتحميل الدولة أعباء احتجاز، لكن بالمقابل، انهيار الثقة في العقود يرفع كلفة التعاملات، ويحد من البيع الآجل، ويقلص النشاط التجاري، لذلك المعادلة دقيقة: كرامة الإنسان من جهة، وأمن المعاملات من جهة أخرى.

بعد 8 أشهر، يمكن القول إن القرار دخل مرحلة الاختبار الفعلي، وليس من الحكمة إلغاؤه تحت ضغط الجدل، ولا من الموضوعية اعتباره نجاحا مكتمل الأركان.

المطلوب مراجعة دقيقة تستند إلى بيانات: نسب التعثر قبل وبعد التعديل، ومتوسط مدد التنفيذ، وأثره على الشيكات والبيع الآجل، وعدد التسويات الناجحة، وإن كان الخلل في بطء الإجراءات، فالإصلاح إداري. وإن كان في صياغة بعض القيود، فالتعديل التشريعي وارد.

القضية ليست إرضاء دائن أو مدين، وتشريع التنفيذ يجب أن يحمي حق التقاضي والتحصيل، دون أن يتحول الدين المدني إلى عقوبة سالبة للحرية في كل الأحوال.

ما أنتجناه حتى الآن هو جدل كشف ثغرات النظام التنفيذي، وأعاد فتح نقاش طال تأجيله، والاختبار الحقيقي يبدأ حين تتحول الحماية إلى انضباط، والبدائل إلى أدوات فعالة لا شعارات.

مقالات ذات صلة