
هل يُعدُّ هنتنغتون التمهيد الثقافي للترامبية؟
سمير الزبن
حرير- يشنُّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حربه على الجميع، أصدقاء وأعداءً، فالكل يسرق أميركا، الأصدقاء قبل الأعداء، حسب قوله، واكتشف أنه يستطيع شن حرب على الجميع بفرض رسوم جمركية، تنخفض بقدر الاستجابة للمطالب الأميركية، وترتفع إذا رُفضَت الإملاءات الأميركية، وذلك كله لإعادة “عظمة أميركا” من خلال القضاء على كل ما يجعلها ضعيفة، وفي المقدمة الهجرة غير الشرعية و”الإرهاب الإسلامي”.
كأن ما يقوله ترامب مهّد له صموئيل هنتنغتون ثقافياً في كتابه “من نحن؟ التحدّيات التي تواجه الهوية الأميركية”، الصادر في 2004. فكما يحاول ترامب اليوم إعادة صياغة علاقة الولايات المتحدة مع العالم، حاول هنتنغتون، في كتابه، إعادة صياغة هذه العلاقة، واضعاً أسساً جديدة لتعريف الولايات المتحدة لنفسها من خلال نظرة جديدة يقوم عليها كل الكتاب، ويسجّلها في مطلع كتابه: “تشتق المصالح الوطنية من الهوية الوطنية. وعلينا أن نعرف من نحن؟ قبل أن نتمكّن من معرفة ما هي “مصالحنا””. ولأن الهوية تحتاج الى خطر خارجي لصقلها وبلورتها، فيقرّر أن الهوية الأميركية بدأت مرحلة جديدة مع القرن الجديد، وتتشكّل أهمية هذه المرحلة وجوهرها بقابلية أميركا للخطر أمام هجوم خارجي، وانعطاف جديد إلى الدين في الولايات المتحدة محدّداً رئيسيّاً للهوية الأميركية.
حسب هنتنغتون، خاض الأميركيون حروبهم في القرن العشرين عبر آلاف الأميال من المحيط، التي جلسوا وراءها آمنين وأحراراً. وقد وفّر الأمن الجغرافي السابق الذي عرفوا فيه أنفسهم بكونهم أمة. جاء “11 سبتمبر” (2001) ليوقظهم بقسوة على حقيقة جديدة، أن المسافة لا تعني عدم التعرّض للخطر، وبذلك وجد الأميركيون أنفسهم في حربٍ جديدةٍ على عدّة جبهات، كان أهمها في الداخل. ورغم أن الرئيس جورج بوش الابن قال بعد ذلك الحدث المدوّي: “نرفض العيش في الخوف”، ردّ هنتنغتون عليه: “لكن العالم الجديد مخيف، وليس لدى الأميركيين خيار سوى أن يعيشوا مع الخوف، إن لم يكن في الخوف”. ولذلك حدّد “القابلية للخطر” بوصفها مسألة مركزية لطريقة تعريف الأميركيين أنفسهم في هذه المرحلة الجديدة من تطوّر هويتهم الوطنية.
تختلف المرحلة الجديدة التي تعيشها الهوية الاميركية، عن التي سادت في القرن العشرين، بتراجع دور الأيديولوجيا في تحديد الهوية الاميركية، التي لعبتها طوال القرن العشرين، خصوصاً في النصف الثاني منه، في تحديد ذاتها في مواجهة الخطر الشيوعي. ويعتقد هنتنغتون أن “11 سبتمبر” جسّد نهاية أيديولوجيا القرن العشرين والصراع الأيديولوجي، وبداية عهد جديد يعرف فيه الشعب نفسه بلغة الثقافة والدين بالدرجة الأولى. وأعداء الولايات المتحدة الحقيقيون والمحتملون هم اليوم مقاتلون إسلاميون ذوو دوافع دينية وقوميون صينيون بلا أيديولوجيا على الإطلاق.
في هذه البيئة، يعتقد هنتنغتون أن هوية الأميركيين الدينية تصبح عنصراً ضرورياً وحاسماً في تشكيل هويتهم، فنهوض الدين عالمي، ففي الربع الأخير من القرن العشرين، انعكست السيرة باتجاه العلمانية بالتزامن مع نهوضٍ جديد للدين عالمياً، وقد ظهر ذلك في كل جزء من العالم تقريباً، ما عدا أوروبا الغربية. وقد فازت الحركات السياسية الدينية بمؤيدين في كل أنحاء العالم. وفي هذه البلدان، لم تكن غالبية هؤلاء الأفراد من كبار السن، بل كانوا شباباً ومن الطبقة الصاعدة على السلم الاجتماعي، موظفين كباراً ومثقفين ومهنيين، إلخ.
حسب هنتنغتون، تفيد النظرية الاجتماعية والأدلة التاريخية بأن غياب عدو خارجي يشجع الفرقة الداخلية. ليس من المفاجئ أن نهاية الحرب الباردة زادت في نمو الهويات الفرعية في أميركا على حساب الهوية الوطنية الأميركية. كذلك ترك انهيار المعسكر الاشتراكي الديمقراطية الأميركية من دون منافس إيديولوجي علماني ذي أهمية، وتُركت الولايات المتحدة من دون منافس مكافئ، وبذلك أنتج غياب التهديد الأيديولوجي فقدان الهدف، وباتت الولايات المتحدة بلا عدو.
يكتب هنتنغتون: في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أنهى أسامة بن لادن بحث أميركا عن عدو، فالهجمات على نيويورك وواشنطن التي تبعتها حروب ضد أفغانستان والعراق، و”الحرب على الإرهاب” جعلت من الإسلام الجهادي عدو أميركا الأول في القرن الحادي والعشرين. ويضيف في موضع آخر: عندما هاجم أسامة بن لادن أميركا وقتل عدّة آلاف من الناس، فعل شيئين إضافيين: ملأ الفراغ الذي أحدثه غورباتشوف بعدو جديد خطير بلا شك، وحدّد هوية أميركا بدقة، أمة مسيحية.
يفرّق هنتنغتون بين الحركات الشيوعية ضد الديمقراطيات الغربية في القرن العشرين، والحركات الإسلامية المعاصرة بفارقين حاسمين: الأول، كانت دولة رئيسية واحدة هي التي دعمت الحركات الشيوعية، أما الحركات الإسلامية فتدعمها تشكيلة من دول متنافسة، ومنظمات إسلامية، وأفراد، وأحزاب سياسية إسلامية، ومجموعات إرهابية لديها أهداف كثيرة مختلفة، بل ومتصارعة أحياناً. الثاني، أراد الشيوعيون تعبئة حركة جماهيرية من العمّال والفلاحين والمثقفين وجماعات الطبقة الوسطى غير الراضية، لتغيير الأنظمة الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي في المجتمعات الغربية إلى أنظمة شيوعية. وفي المقابل، لا تتطلع المجموعات الجهادية الإسلامية إلى تحويل أوروبا مجتمعات إسلامية، وليس هدفها الأساسي تغيير تلك المجتمعات، بل إلحاق ضررٍ حقيقي بها.
ولأن الهوية الوطنية الأميركية بيضاء كما يراها ترامب، فإنه يعتبر الهجرة غير الشرعية تهدّدها، وتهدّد اللغة الإنكليزية بتوسع المناطق التي لا تتحدّث سوى الإسبانية، ما يهدّد بثنائية لغوية في البلد. ولم يقرأ الهجرة مسألة اقتصادية أو إنسانية، بل مسألة أميركية وجودية.
رغم ولادة خطاب الهوية في الجامعات والنخب للدفاع عن “التعدّدية الثقافية”، إلا أن هنتنغتون معاد جداً لهذه التعدّدية، فهو يعتبرها تضعف الهوية الوطنية المشتركة، ويعتقد أنه لا يمكن لدولة الاستمرار من دون مركز ثقافي مهيمن. … وإذا كانت الهوية المحدّد الذي تشتق منه المصالح، كما يعلمنا هنتنغتون، وإذا كانت الهوية الاميركية في القرن الواحد والعشرين كما يخبرنا تقوم على الدين أساساً، فإن ما ننتظره، حسب نبوءته، صراع ديني مطلق على أوسع مدى يغطى القرن الحادي والعشرين، ولأن الولايات المتحدة تملك وسائل عديدة جبارة للتأثير بالعالم، فهي تستطيع توسيع الصراع إلى مداه كإجراءات ضرورية للحفاظ على الهوية الوطنية الأميركية، والتصدّي للمخاطر التي تهدّدها.
هذا ما يقوم به ترامب، وشعار حركة ماغا “لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى” التي يُفترض أن تلتفت السياسة إلى الداخل الأميركي، لا تستقيم من دون حروب خارجية، بدأت بتهديد الأصدقاء بضم جزيرة غرينلاند، وجعل كندا ولاية أميركية، وضرب إيران في العام الماضي مساندة للضربات الإسرائيلية، واختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وتهديد إيران مجدداً بضربة عسكرية، والحبل على الجرّار بتهديد دول جديدة.



