ما نتعلمه من قضية إبستين

أسامة أبو ارشيد

حرير- بعيداً من “نظريات المؤامرة” (وليست كل نظريات المؤامرة تفتقد أسساً موضوعية وعماداً منطقياً)، فإن قضية الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، والفضائح التي طاولت رجال سياسة وأعمال وإعلام وفنٍّ، وعمالقة تكنولوجيا وأكاديميين أميركيين وعالميين، التي تضمّنتها ملايين الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية على دفعات في الأشهر الماضية تحت ضغط شعبي وسياسي أميركي، تكشف ليس مستوى الانحدار الأخلاقي والإنساني فقط لدى بعض “النُّخب” العالمية، بل كذلك سخافةً وضحالةً لدى كثيرين منهم تجعلهم عرضةً للابتزاز، بما في ذلك الابتزاز الاستخباراتي.

لا يمكن الجزم (أو حتى الادّعاء) بأن كلَّ مَن ورد اسمه في ملفات إبستين مُدان ابتداءً، لكن سمعتهم تلطّخت حتى إن كانوا أبرياء. وإبستين رجل أعمال أميركي ثري من أصول يهودية (ويهوديته هنا جزء من القصّة)، ولد عام 1953، ويُزعم أنه مات منتحراً في سجنه في نيويورك عام 2019، حيث كان محتجزاً على خلفية اتهاماتٍ بأنه مُغتصب متسلسل ارتكب جرائم جنسية بحقّ أطفال، وبالاتّجار بالبشر. وتُبرز الوثائق والصور وشهادات نساءً كثيراتٍ ضحايا اعتُدي عليهن قاصرات، وكيف كانت جزيرة إبستين المعروفة باسم “Little Saint James” في جزر العذراء الأميركية، ومنزله الضخم في مانهاتن بنيويورك، وكرين لارتكاب الجرائم والموبقات وممارسة الشذوذ، بل حتى لجمع المعلومات الاستخباراتية ومناقشة أشدّ القضايا الدولية حساسيةً من شخصيات منخرطة فيها.

لا يهمّنا هنا استعراض قضية إبستين بتفاصيلها كلّها؛ فهي متوفّرة ومتاحة على شبكة الإنترنت، بما في ذلك ملايين الوثائق والصور الأصلية في موقع وزارة العدل الأميركية. لكن طريقة نشر وزارة العدل الأميركية ملفّات إبستين، وحجبها معلومات كثيرة فيها، عزّزا نظريات المؤامرة حول الرجل وعلاقاته بأجهزة استخبارات أجنبية، وتحديداً الموساد الإسرائيلي. بل إن قصّة إبستين وتحوّله من معلّم مدرسة فاشل، من دون شهادة جامعية، إلى قطب في قطاع المصارف والتمويل والأعمال، وأحد رموز “النُّخبة” الأميركية والعالمية، ونجاحه عام 2008 في تجنّب عقوبة رادعة على جرائم اغتصاب ارتكبها… أمور تثير الشبهات حول هذا الرجل وارتباطاته. وكان إبستين قد واجه اتهاماتٍ في فلوريدا عام 2005 بالاعتداء على 36 فتاة في الولاية، بعضهن لم تتجاوز أعمارهن 14 عاماً، وأقرّ عام 2008، ضمن صفقة قضائية، بالذنب بتهمة استغلال طفلة في البغاء والتحريض على ممارسته. أمّا العقوبة، فكانت قضاء 13 شهراً في الاحتجاز، مع منحه إذناً موسّعاً بالخروج للعمل، وهي الصفقة التي وافقت عليها وزارة العدل حينها، ولا تزال تثير أسئلة وشبهاتٍ كثيرة، إذ لا تتناسب أبداً مع الجريمة.

في يوليو/ تموز 2019، أُلقي القبض على إبستين مرّة أخرى في نيويورك، على خلفية تهم تتعلّق بممارسة الجنس والاتّجار الجنسي بقاصرات. وبعد شهر من اعتقاله، وُجد إبستين ميّتاً في زنزانته. وحسب الطبيبة الشرعية التي حقّقت في أسباب الوفاة، فإن إبستين انتحر، إلا أن خبراء آخرين رفضوا هذا الاستنتاج. ولم تفلح محاولة مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) في تبديد نظريات المؤامرة حول موت إبستين، بل عزّزتها؛ إذ نشر المكتب لقطات كاميرات الفيديو التي كانت تراقب زنزانة إبستين، وتبيّن أن نحو دقيقتَين و53 ثانية مفقودة منها، وثبت أن الفيديو خضع لعمليات تعديل وتحرير. كذلك تبيّن أن الحرّاس المكلَّفين التأكّد من سلامة إبستين في الزنزانة كل 30 دقيقة، ناموا في تلك الليلة مدّة ثلاث ساعات. هذه “الأدلة الظرفية” كلّها في موت إبستين لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، وخصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار نوعية “زبائنه” وطبيعتهم ومستواهم عقوداً، الذين حافظ كثيرون منهم على علاقتهم به حتى بعد إدانته للمرّة الأولى عام 2008.

مَن هم “زبائن” إبستين؟ إنهم كثر. يكفي أن تذكر من بينهم دونالد ترامب، الذي سيصبح لاحقاً رئيس الولايات المتحدة دورتَين غير متواليتَين. ويكفي أن تذكر الرئيس الأسبق بيل كلينتون. وكذلك الأمير البريطاني أندرو، دوق يورك، الذي جُرّد من ألقابه الملكية على خلفية قضية إبستين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ومؤسّس شركة مايكروسوفت بيل غيتس، ومؤسس شركتي تسلا وإكس، إيلون ماسك، والأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، إلخ. مرّة أخرى، لا يعني أن كل شخص من هؤلاء مدان بأفعال مشينة.

وعندما اقتحمت السلطات الأميركية مقرّات إقامة إبستين في 2019، وجدت مئات أشرطة الفيديو وأقراصاً مدمجة في خزنات محصَّنة تصوّر شخصيات أميركية وعالمية نافذة في أوضاع مخلّة. واكتشفت السلطات أن إبستين كان لديه كاميرات سرّية مبثوثة في كل ركن في مقارّه، بما في ذلك المراحيض، لتصوير “ضيوفه”. السؤال: لماذا؟ هنا تبدأ الفرضيات المعتمدة على مؤشّرات من الوثائق ذاتها؛ فبدا أن إبستين كان يعمل لخدمة إسرائيل ومصالحها وأجندتها، سواء عميلاً للموساد أو محبّاً ومخلصاً لإسرائيل، إلا أن حقيقة تصويره (وتوثيقه) مشاهد مخلّة لكبار المسؤولين الأميركيين تحديداً، هي ما أثار شكوكاً في أنه كان بغرض الابتزاز، وقد يكون هذا الابتزاز وقع فعلاً. وهذا ما يجعل نسبةً كبيرةً من الأميركيين على قناعة بأن الرجل صُفّي في السجن حتى لا يبوح بأسرار كارثية تتعلق بإسرائيل وبكبار “زبائنه” الأميركيين والدوليين. وبالمناسبة، قضية إبستين واحدة من أسباب انقلاب قواعد في اليمين الأميركي المحافظ ضدّ إسرائيل؛ إذ إنهم على قناعة بأن الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل يتضمّن بُعداً ابتزازياً لبعض كبار المسؤولين الأميركيين.

مهما يكن الأمر، تفتح قضية إبستين نوافذَ مهمّةً على عالم استخباراتي مجهول، قد يفسّر تبدّل مواقف كثيرين، بما في ذلك في العالم العربي، من النقيض إلى النقيض، من دون مقدّمات وسياقات منطقية.

 

مقالات ذات صلة