كندا المطمئنة السعيدة أيقظ ترامب عفاريتها

دلال البزري

حرير- نحن في العام 2021: أمرّ يوماً في جادّة دانفورث القريبة من بيتنا، في يوم مشمسٍ نادر، أتطلّع الى واجهات المحلات، بحثاً عن شيء آخر غير الطعام. أصادفُ واجهة ليس فيها ما يُعرض، غير بعض الصور والكلمات، وشابّة جالسة في مدخله، تسجّل كلاماً أو أسماء… لا أعرف. يثير المحل فضولي، فأدخل وأسألها: ماذا تبيعون هنا؟ تجيب إنهم لا يبيعون شيئاً، إنما هم مكتب انتخابي للحزب الليبرالي، الحاكم وقتها. أتعجّب كثيراً. أسأل الشابة كيف تكون انتخابات ولا صور ولا يافطات ومكبّرات صوت وحشود ولا أغاني…؟ وأكاد أقول لها: ولا خناقات…! ولا أمن ولا رصاص؟ ولا أصوات تصدح تشجّع أو تحرّض…؟ تضحك الشابّة ذات الملامح الهندية، وتقول إنهم لا يحتاجون إلى ذلك كله… أصرّ عليها: هل يعني ذلك أن نسبة التصويت منخفضة؟ لا تعرف بالضبط، لكنها مطمئنة، وأعلم، في اليوم التالي، أن هذه النسبة منخفضة قياساً بالانتخابات السابقة، إذ بلغت 63%.

هكذا، صرت “أراقب” هذا البرود الكندي بلا حماسة. وأخلص إلى أن كندا هذه بلد مملّ، لا استعراضات لأصحاب الطموحات، لا فضائح فساد مدوية، لا كلمات نابية، لا شتائم، لا صراعات أو إنجازات “بطولية”، أو صخب أو تهديدات أو تفجيرات أو لنقلها كما هي… لا حروب… “لا يحدُث شيء في كندا…”، أقول لنفسي: سياسيوها متّزنون، متحفظون، ضابطون أنفسهم، عقلاء. لا كاريزماتيون، ولا مهيمنون، ولا خطباء متفوّهون، جماهيريون.

يمكن الاسترسال طويلا أمام بسيكولوجية الكنديين السياسية. ولكن ما يهمنا في هذه النقطة تحديداً، وما كان يثير العجب أيضاً، أن العلاقة بين كندا وأميركا كانت توصف بأنها “شديدة التماسك بنيوياً”، يحكمها تحالفٌ غير متكافئ صحيح، غير مسيَّس صحيح، ولكنه مستقر وروتيني. يغطّي جوانب عسكرية، أمنية، حدودية (بين أميركا وكندا أطول حدود في العالم. حوالي تسعة آلاف كلم). واقتصاد متداخل، في التجارة والصناعة والموارد الطبيعية… وخلافات تُحلّ بهدوء وثقة بالمؤسّسات المسيِّرة للعلاقة بينهما. ونوع من انعدام التوزان بينهما تتكيف معه كندا بأقصى الحدود.

ثم جاء ترامب، وأعلن من اليوم الأول لولايته، أنه يريد ضم كندا وتحويلها الى الولاية الواحدة والخمسين، وأنه سيضرب كل الاتفاقات القائمة بينهما ويفرض عليها الضرائب، أسوة بكل الذين “استفادوا من أميركا وعاشوا على حسابها”، أي دول العالم أجمع. فجاء الرد الكندي غير المتوقَّع إلا لمن لا يعرف كندا، مثلي. في انتخابات إبريل الماضي، يكسب الليبرالي مارك كارني، خلافاً لكل التوقعات؛ اذ كانت التقديرات تشير إلى تفوق منافسه رئيس الحزب المحافظ بيار بواليفير، محبّ ترامب والمعجب به. فهذه المرّة صوّت الكنديون ضد ترامب، الذي هدّد اقتصادهم وسيادتهم من دون أي لبْس. وكنت ترى الإشارات الى ذلك، موزّعة هنا وهناك في الشوارع والمتاجر و”المولات”، ومحلات بيع الخمور خصوصا… كلها تشيد بالإنتاج الكندي، وتدعو بلهجات متفاوتة إلى مقاطعة المنتجات الأميركية.

ورئيس الوزراء مارك كارني، بُعيد انتخابه، يجول العالم، يبحث عن منافذ تجارية بديلة، عن اتفاقاتٍ تحمي اقتصاد بلاده.

وقبل أقل من شهر، يزور الصين ويعقد معها اتفاقاً تجارياً، تبادلياً. تبيعه السيارات الكهربائية، ويبيعها زيت الكانولا الخاص، ومنتوجات بحرية. ويزور أيضاً قطر، ويوقّع معها اتفاقاً، حول استثمارات وحمايتها وتوسيع النقل المتبادل، وتعزيز الصلات الثقافية والإنسانية. وتطلق النيران الترامبية سريعاً على الاتفاق مع الصين، فيهدّد ترامب كندا على موقعه الخاص، بأنه سوف يفرض تعرفة جمركية بنسبة 100% على بضائعها إذا طبّقت هذا الاتفاق.

ثم نأتي إلى المنتدى السنوي في دافوس، حيث تجتمع صفوة الرؤساء وممثلو الشركات والمنظمات… ويكون خطاب ترامب الطويل (70 دقيقة)، الذي يعيد ويزيد أكثر من ساعة فيه كل ما ورد في خطاباته السابقة، أن اميركا استعادت مجدها، لأنها رفضت أن تُستغل باتفاقات “ظالمة”، وبأن تعدّد الأقطاب ليس فكرة صالحة، وبأن أميركا لن تقبل أن تدفع نيابة عن الحلفاء، وأنها ستكون زعيمة قوية، لا تتسبّب بـ”الفوضى”؛ لن تكون متردّدة، لن تفرّط بالمساومة، وسوف تطيح “النخب المنفصلة عن الواقع”. ويتابع على المنوال نفسه في عرض رأيه بالسلام “بالقوة”، والسياسات المناخية، وبالطاقة الفائضة… إلخ.

ويتحدث مارك كارني من بعده ويكون خطابه قصيراً (30 دقيقة)، تاريخياً ومحكماً. بلهجة باردة هادئة، ومن دون أي ورقة، أو قلم، ومن دون أن يذكر اسم ترامب نفسه، أو أميركا، إلا عند كلمة واحدة عندما يصف “الهيمنة الأميركية”… يبدأ بتأكيد أن هناك قطيعة مع النظام العالمي الذي قام على مواثيق وقوانين، وإننا شهود على نهاية لقصة جميلة وبداية لواقع فظ، حيث لا تخضع القوى الكبرى لأي منطق جيوسياسي. وإن القوى “المتوسّطة” مثل كندا ليست عاجزة. فهي تستطيع أن تبني نظاماً جديداً، يجسّد “حقوق الإنسان والتنمية والمستدامة والتضامن والسيادة ووحدة الأراضي”.

يورد كلمات للمؤرخ اليونياني توسيديت، وللتشيكي فاتسلاف هافيل. يأخذ عن الأول ملاحظته أن “القويّ يملي ما يشاء، والضعيف يرضخ لما لا مفرّ منه”. والذي لا مفرّ منه، هو ما يدعو إليه كارني، من تضافر القوى المتوسطة لمواجهة قوتين عظيمتين آخذتين في ضرب القواعد القديمة التي بنيت بالحديد والنار أصلا. أما عن هافيل فيأخذ من كتابه حكاية مفادها بأن النظام الشيوعي استطاع الاستمرار في سلطته القاهرة لا بالعنف وحده، بل بمشاركة أناس عاديين في طقوسٍ كانوا يدركون تماماً أنها كاذبة… فيتابع إن قوة النظام لا تنبع من حقيقته، بل من استعداد كل فرد للعب الدور وكأنه حقيقي. أما هشاشته فتظهر عندما يتوقّف شخص واحد عن لعب هذا الدور. وينتهي كارني بالتحدث عمّا وصفه فاتسلاف هافيل بسطوة الأنظمة الشيوعية، وزيف النظام الدولي الراهن. فيقارن بين النظام الشيوعي المذكور أعلاه و”الهيمنة الأميركية” التي أسهمت في توفير سلع عامة وطرق بحرية مفتوحة، ونظام ماليّ مستقرّ، وأمن جماعيّ، ودعم لآليات حلّ النزاعات. فكانت ما يصفها “الصفقة” مع هذه الهيمنة. ولكن هذه “الصفقة” لم تعد تعمل. والجميع يتحصّن، وهذه التحصينات ستكون أكثر فقراً وهشاشة وأقل استدامة.

والمسألة بالنسبة لقوى “متوسّطة” مثل كندا ليست في معرفة كيفية التكيّف مع الواقع. فهذا واجبٌ بدهي، إنما في معرفة ما إذا كنا نكتفي بالتكيّف عبر بناء أسوار عالية أعلى، أم أننا جاهزون للمبادرة إلى القيام بخطوات أكثر طموحاً. وبعد إشارته السريعة إلى تهديدات حلف شمال الأطلسي وغرينلاند، يعود إلى “القوى المتوسطة”: فهذه عليها أن تساهم في حل المشكلات العالمية بالاعتماد على تحالفاتٍ ذات هندسة مركّبة تقوم على قيم ومصالح مشتركة. وتابع إن على القوى المتوسّطة أن تعمل معاً، أن تنسق في ما بينها وأن تتوقف عن الاكتفاء باستدعاء النظام الدولي القائم، وكأنه ما زال كما كان. وينذر: “فإذا لم نكن معاً جالسين إلى طاولة المفاوضات، سنكون على لائحة الطعام”. هذه القوى المتوسّطة ستدعو إلى نظام عالمي مبنيّ على القواعد، تطبق المعايير نفسها على الأصدقاء كما على الأعداء، تبني نظاماً دولياً جديداً وتخفّض أثر القوى العظمى.

طبعاً كارني يقطع مع الخطاب الكندي الرسمي الخاص بالعلاقة مع أميركا، يسمّيها علناً ويصفها بالمهيمنة، يعرض واقع حال العلاقات الدولية، يقدّم آفاقاً غير مسبوقة لدول تتعرّض لضغوط أميركية سافرة وأخرى صينية كامنة، يتبنّى لسان الوضوح والعقلانية والنزاهة، ويرفض، في الوقت نفسه، سياسة “التجنّب” التي اعتمدها أسلافه. وهذا منعطفٌ بالنسبة لبلد كان ينام على ضَيْم أميركي متّفق عليه.

خطاب كارني هو نقيض خطاب ترامب. جمهور دافوس النخبوي صفق له بحرارة ووقوفاً. وترامب لم ينتظر اليوم التالي ليقول إن “كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. عليها أن تكون ممتنّة لأميركا…”. وموجّهاً كلامه إلى الكنديين: “شاهدتُ رئيس وزرائكم أمس. لم يكن معترِِفاً بالجميل (…) كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكّر ذلك يا مارك في المرة المقبلة عندما تتكلم!”. وفي اليوم التالي، يعلن ترامب أنه “سحب” دعوة كارني إلى لانضمام الى عضوية “مجلس السلام” الخاص بغزّة.

أما في كندا نفسها، فلقي الخطاب استقبالاً حارّاً، شعبياً ونيابياً، وأحرج زعيم الحزب المحافظ، بيار بواليفير، الذي لم يعرف ماذا يقول لحزبه، هو الذي استلهم من ترامب أسلوبه الشعبوي وتكتيكاته الإعلامية.

الكلام لا يخلص الآن. … مثلاً: دعوة كارني القوى المتوسّطة تشبه، في كثير من وجوهها، خط دول عدم الانحياز التي قامت في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لتوازِن بين الجبارين في حربهما الباردة وقتها، وأبرز رؤسائها كانوا عبد الناصر وتيتو ونهرو، وسوكارنو ونكروما. وكانت آفاقها: رفض الاختيار بين الاثنتين (أميركا والاتحاد السوفييتي)، تجنّب الوقوع في “التوظيف” أو الاستغلال من أحدهما، الاحتماء بتعدّد الأقطاب، الاعتماد على مؤسّسات الأمم المتحدة والقوانين الدولية والمنتديات متعدّدة الأطراف، وتبنّي مفردات السيادة والكرامة الوطنيتَين، والتنمية والسلام.

مثل آخر، سيكون له أصداء ويحرّك الطمأنينة الكندية: مقاطعة ألبيرتا، الأغنى بالنفط، الشاسعة، يوجد فيها من يريد أن ينفصل عن كندا وينضم إلى أميركا. السيد جيف راث، المشارك في تأسيس “مشروع ألبيرتا للازدهار” المؤيدة هذا الانفصال، يعلن بعيد خطاب كارني في دافوس، أن مجموعته سافرت إلى واشنطن ثلاث مرات والتقت بمسؤولين في الإدارة الأميركية. هذه الزيارات والإعلان الصريح عنها وتجديد مشروع انفصال ألبيرتا، كلها أثارت ردّات فعل من مختلف حكام المحافظات. ولكن المشروع يسير قدُماً، ودعاته يحضّرون لحملة استفتاء جديدة، وحملات إقناع…

كندا لم تعُد سعيدة مملّة. إنها في طريقها إلى التحول إلى ما يشبه ديار الحرب.

مقالات ذات صلة