
حربٌ على الأبواب لا تستأذن أحداً
محمود الريماوي
حرير- لا تترك الأجواء الحربية السائدة لدى صانعي القرارات في واشنطن فرصة لمزيد من التكهنات والتوقعات بشأن الخطوة التالية تجاه إيران، فتحذيرات الرئيس دونالد ترامب واضحة، وعقد المقارنة مع ما جرى لفنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو واضح الدلالة، وتسيير حاملة طائرات وإجراء مناورات متقدمة في هذه الأثناء يدلان على أن ما يجري تحضير للحرب وليس نشاطاً روتينياً. وتكرار الحديث عن أن طهران طلبت حواراً رفضته واشنطن يفيد بأن لغة الحوار قد تعطّلت. ويزيد ترامب الأمر حرجاً، إذ يتحدّث عن أنه يعرض اتفاقاً على المسؤولين الإيرانيين قبولاً به، من دون إشارة إلى مضمونه، وقد اكتفى الرئيس بالقول “لا أسلحة نووية”، وهذا كاف للتدليل على أن واشنطن تعرض على طهران اتفاقية إذعان. ومن الواضح أن ما تجري الاشارة إليه ليس مجرد أسلحة الدمار الشامل، بل مجمل المشروع النووي. مع العلم أن ترامب سبق أن قال إن الضربات الجوية الأميركية نحو إيران، يوم 22 مايو/ أيار الماضي، قد أنهت البرنامج النووي الإيراني. أما بقية البنود المكتومة من الاتفاق المعروض، فلن تكون بعيدة عمّا جرى عرضه على الرئيس الفنزويلي أياماً قبل إطاحته وسوقه إلى أميركا.
تعرض واشنطن على طهران مطالب تعجيزية، كي تواجه هذه المطالب بالرفض، فيتم بذلك شق الطريق نحو الخيار الصفري. لا يستمع ترامب إلى نصائح (وملاحظات) الأصدقاء في الشرق الأوسط، وبالذات دول الخليج، إذ نشطت عُمان والسعودية وقطر في مساعي التهدئة ونقل الرسائل، غير أن هذه المساعي لا تُطرب سيد البيت الأبيض، بل تردّد أن مجلس الأمن القومي عرض على الرئيس عدة خيارات للتعامل مع الأزمة، لم يتحمّس للاطلاع عليها أو الإصغاء لشرحٍ لها. والراجح أن الرجل يضع نصب عينيه خياراً واحداً، وأنه يُصغي لكبار القوم من الخبراء العسكريين والأمنيين حول أي الحروب أكثر نجاعة وتحقيقاً للأهداف. وواضح أن الاستخدام الفائق للتكنولوجيا وللحرب السيبرانية وأن ما جرى في كاراكاس نموذج أولي لهذه الحرب الحديثة الموشكة على الاندلاع. واستعراض القوة هو في صُلب أغراض هذه الحرب التي بات سؤال واحد بشأنها على الطاولة: متى تقع، وعلى أي مسرح عمليات شديد البعد عن الولايات المتحدة؟
بدأت الأزمة قبل أسابيع مع موجة احتجاجاتٍ واسعة اجتاحت ايران، اندلعت لاسباب تتعلق بحال الاقتصاد وانهيار العملة الوطنية والضائقة المعيشية، ولم تلبث أن اكتست طابعاً سياسياً، مع إفراط النظام في استهداف المحتجين بالقتل أو زجّهم وراء القضبان، وتعطيل خدمات الإنترنت، ما قوبل باعتراضات أميركية وأوروبية. وقد تلقّف الجناح المتشدّد في طهران هذه الاعتراضات، كي ينعت هذه الموجة الاحتجاجية بأنها صناعة أميركية وإسرائيلية، فيما سعى رئيس الجمهورية المنتخب مسعود بزشكيان إلى التهدئة والدعوة إلى الاستماع إلى مطالب المحتجين، من دون أن تُحدِث هذه الدعوة أثراً أو تصنع فرقاً، فلطالما جرى وصف الاحتجاجات السابقة في كل مرة بأن واشنطن وتل أبيب تديرانها، وبقي النظام على سطوته المطلقة. ومع أن ترامب ليس في عداد القادة الذين يهجسون بالديمقراطية ويتبنون دعمها ونشرها. ورغم التشدّد المفرط مع المسيرات الاحتجاجية في بلاد العم سام (من دون مماثلة التقييدات المشددة ضد المتظاهرين بحجم التنكيل في بلد فارس)، إلا أن الرجل اهتبل فرصة الاحتجاجات الإيرانية لتصفية حسابات استراتيجية مع النظام في طهران، وهي حساباتٌ تعود إلى الخروج من اتفاق دولي بشأن البرنامج النووي الإيراني وقع في العام 2015 إبّان عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. وبينما تستحوذ عليه الرغبة بشن حرب مدمّرة، فإن ترامب يتفادى حرباً واسعة النطاق وتستغرق وقتاً طويلاً، ويفقد فيها جنود أميركيون حياتهم على مبعدة آلاف الأميال من بلادهم، وتنعكس بالسوء على وضع الاقتصاد، فيجد بما تتمتع البلاد من تفوّق عسكري نوعي فرصة لشن أقصر حرب ممكنة باستخدام أسلحة جديدة، مع ضمان تحقيق أكبر قدر من الأهداف، ومثل هذه الحرب الخاطفة التدميرية والاستعراضية هي ما تستهوي الرجل، ويعتبرها ضربات قوية تستغرق يوماً أو بعض يوم، وليست حرباً، كما هجمات الصيف الماضي التي حملت اسم مطرقة منتصف الليل، فهو لا يشنّ حروباً، بل ينهمك في صنع السلام، ويجد نفسه الأجدر في العالم بلقب بطل السلام.
الخيارات ضيقة أمام طهران بسبب الفارق الكبير مع من يهدّدها في ميزان القوى العسكري والتقني والاستخباري. لكن المحاذير كبيرة على دول الجوار ودول المنطقة، إذا ما قرّر أصحاب القرار في طهران خوض معركة أخيرة ونهائية. وإذا ما أتيح لهم شنّها. ولا يشنّ ترامب الحرب كرمى لعيون المحتجين الإيرانيين، بل لأنه يريد وضع حدٍّ لطموحات النظام. ومن المؤسف، بل والمذهل، أن صاحب القرار في واشنطن لا يصغي إلى نصيحة أحد، رغم أن خيار الحرب ينطوي على محاذير كبيرة قد يضار منها الآخرون. وترى المراكز الدولية الأخرى في مثل هذه التطورات المحتملة والمفزعة إشارات مقلقة وسيئة، من دون أن يبلغ الأمر درجة توصيفها بأنها تهدّد الأمن والسلم الدوليين، وتستدعي حركة سياسية نشطة لوقفها. وبينما أبدت أوروبا انزعاجها الشديد، ولها الحق فيه، من مشروع الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، فإنها لا تبدي قلقاً إزاء التهديد بحرب مدمّرة على أبواب منطقة الخليج العربي. أما النظام الايراني نفسه، فإنه، بخلاف ترامب، قد يصغي إلى نصائح الأصدقاء وملاحظاتهم، لكنه يصم الآذان عن الاستماع إلى شعبه، فاذا ما ضاق الحال بالشعب وأطلق صوته، يُرَدّ عليه بالحديد والنار، ويُنعت بالخيانة والعمالة للخارج وما شاكلهما، ويستحقّ الإيرانيون في هذه الظروف الالتفات إلى محنتهم، وليس الانتباه إلى مأزق نظامهم فحسب.



