
مجلس ترامب للسلام… وصفة لزعزعة الاستقرار
كريستوفر غونيس
حرير- يشكّل «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستارا للتعمية على الإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين. بل هو غطاء للتطهير العرقي، والاحتلال، والمحو الاستعماري لفلسطين، ولنظام الفصل العنصري، ولجرائم ضد الإنسانية، من بينها الاستخدام المتعمّد للتجويع كسلاح من أسلحة الحرب.
يجب التنويه إلى أن هذه الجرائم تحظى بإقرار رسمي من الحكومة الإسرائيلية، وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والمملكة المتحدة. كما يتحمل الاتحاد الأوروبي تبعات التواطؤ، من خلال امتناعه عن فرض عقوبات حقيقية وفاعلة على إسرائيل لمنع هذه الجرائم.
فالمجلس، الذي يقوده ترامب، ليس سوى إدارة للإبادة الجماعية متنكرة بلباس صناعة السلام، ومصمَّم عمدًا لحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير ومن إقامة دولتهم المستقلة. ولا يمكن لهذا المسار إلا أن يقود إلى مزيد من الصراع، ولم تعد المسألة إن كان هذا سيحدث، بل متى.
فعلى الأرض، تعمل قوات الإبادة الإسرائيلية على تحويل «الخط الأصفر»، الذي يفصل أكثر من نصف قطاع غزة الذي جرى الاستيلاء عليه واحتلاله والسيطرة عليه، إلى حدود مادية فعلية. إذ تبني السواتر الترابية والبنى العسكرية الأخرى لفرض فصل مادي بين السكان الفلسطينيين المحاصرين في النصف الغربي غير القابل للحياة من القطاع، وبين القوات الإسرائيلية التي تحتل الجزء الشرقي. وبالتوازي، تواصل إسرائيل تدمير ما تبقى من المباني الفلسطينية بشكل ممنهج.
أما رفح، المدينة التي كانت نابضة بالحياة قبل أن تتعرض لقصف شامل ومنهجي، فيجري تجهيزها لحشر الفلسطينيين في منطقة خاضعة لاحتلال عسكري كامل، أشبه بمعسكر اعتقال، مزوّد بتقنيات مراقبة متطورة، بما في ذلك أنظمة التعرف على الوجوه.
ما يجري هو تطهير عرقي تحت احتلال عسكري عدواني، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وللرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، التي طالبت بإنهاء الاحتلال غير القانوني، ودعت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات، من بينها فرض العقوبات، لإجبار إسرائيل على الامتثال. لكنّ ما نراه اليوم هو توسّع الاحتلال وتعميقه، في وقت تلتزم فيه الدول الأعضاء الصمت، خاضعةً للترهيب السياسي الذي يمارسه ترامب.
كثيرون يتذكرون الدعوة القاسية إلى «إبادة عماليق»، التي دعت إلى قتل كل أعداء إسرائيل دون استثناء، من أطفال ونساء ومسنّين ومرضى. وقد صدرت هذه الدعوة عن مجرم الحرب المطلوب، وعضو «مجلس السلام» لدى ترامب، بنيامين نتنياهو. ووفاء لهذا الخطاب التوراتي، تستمر عمليات القتل الجماعي بحق الفلسطينيين العزّل دون رادع.
ومنذ ما سُمّي بوقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، قُتل ما يقارب 500 شخص في قطاع غزة. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن إسرائيل أبادت بالكامل أفراد 2700 عائلة، ولم تُبقِ من أكثر من 6000 عائلة سوى ناجٍ واحد فقط من كل منها. إن محو السلالة العائلية ليس تكتيكا عسكريا، بل هندسة ديمغرافية في خدمة الإبادة الجماعية.
وخلال هذا الشتاء، توفي عشرة رُضّع دون سن العام بسبب انخفاض حرارة الجسم والبرد القارس في غزة، ليرتفع عدد الأطفال الذين قضوا بهذه الطريقة إلى أكثر من خمسة وعشرين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. ووفقا لمسؤولي الصحة المحليين، فقد توفي جميع هؤلاء الأطفال أثناء إقامتهم في خيام.
ويعيش اليوم ما يقرب من كامل سكان غزة في حالة نزوح قسري، حيث يقيم 1.5 مليون شخص، أي ما يعادل ثلاثة أرباع السكان، في خيام أو منشآت مؤقتة. وخلال الشهر الماضي وحده، دُمّرت أو تضررت بشدة أكثر من 30 ألف خيمة بفعل العواصف، ما ترك نحو ربع مليون شخص بلا مأوى.
ورغم ذلك، تواصل إسرائيل منع إدخال الكرفانات والمساكن المؤقتة ومواد البناء الأساسية إلى غزة، بذريعة أنها مواد «ثنائية الاستخدام» قد تستغلها حركة «حماس» لأغراض عسكرية. وعلى الرغم من ادعاء القوات الإسرائيلية أنها سهّلت دخول ما يقرب من 380 ألف «خيمة عائلية» منذ وقف إطلاق النار، تؤكد منظمات الإغاثة أن ما دخل فعليا لا يتجاوز أغطية بلاستيكية، وهي بعيدة كل البعد عن تلبية الاحتياجات، بخاصّة في ظل تدمير أكثر من 90 في المئة من الوحدات السكنية في القطاع بشكل منهجي.
في الوقت نفسه، وبما يخالف التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، وبنود اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال معبر رفح، وهو نقطة العبور الرئيسية لقطاع غزة، خاضعا لقيود مشددة. فقد أغلقت إسرائيل المعبر في أيار/مايو 2024، ولم يقتصر أثر هذا الإغلاق على حركة الأفراد فحسب، بل أدى أيضا إلى تقليص كبير في تدفق المساعدات الطبية والمعدات والإمدادات الأساسية، ما أثّر في آلاف المرضى المنتظرين للعلاج، بمن فيهم الأطفال والنساء الحوامل والجرحى. وقد تفاقمت هذه الأزمة الطبية نتيجة التدمير الكلي أو الجزئي لما يقارب جميع مستشفيات قطاع غزة.
ويؤكد مسؤولون صحيون محليون أن أكثر من 22 ألف مريض وجريح، بينهم نحو 5200 طفل، غير قادرين على السفر لتلقي العلاج بسبب القيود المفروضة على معبر رفح، في حين ينتظر آلاف آخرون الموافقة على تحويلات طبية.
ولا ينبغي للسلوك الإبادي الذي تمارسه إسرائيل في غزة أن يحجب الأنظار عن الإبادة الجارية في بقية فلسطين، ولا سيما في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، التي قال المفوض العام لوكالة «الأونروا» إنها تشهد أسوأ أزمة إنسانية منذ بدء الاحتلال عام 1967.
وقد شنّ المستوطنون اليهود، بدعم من جيش الاحتلال الإسرائيلي، حملة دموية من التطهير العرقي، تحظى بتأييد كامل من الحكومة الإسرائيلية وبدعم شعبي داخل إسرائيل نفسها. وتخطط إسرائيل لبدء العمل الشهر المقبل على طريق التفافي سيغلق قلب الضفة الغربية المحتلة أمام الفلسطينيين، ويكرّس الضمّ الفعلي لمنطقة حيوية لاستمرار أي دولة فلسطينية مستقبلية قابلة للحياة.
ويُعد هذا الطريق عنصرا أساسيا في كتلة استيطانية يهودية غير قانونية واسعة شرق القدس، من شأنها تفتيت الضفة الغربية المحتلة، وقطع الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس عن ملايين الفلسطينيين. وقد صرّح وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأن هذه الخطط تهدف، على حد تعبيره، إلى «دفن فكرة الدولة الفلسطينية».
ولا ينبغي كذلك نسيان أكثر من عشرة آلاف فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية، من رجال ونساء وأطفال، وُسموا بأنهم «تهديدات أمنية» لمجرد مقاومتهم الاحتلال. ووفقا لمنظمات حقوق الإنسان، فقد تضاعفت أعدادهم منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع احتجاز آلاف منهم إداريا دون توجيه تهم أو محاكمات، وبقرارات قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى. ويضم هؤلاء نحو 350 قاصرا وعشرات النساء، يتعرضون لانتهاكات جسيمة تشمل الاعتداء الجنسي، والتعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، والضرب المتكرر. هؤلاء ليسوا أرقاما مجردة، بل أسرى سياسيون، ورهائن في منظومة صُمّمت لسحق المقاومة وترسيخ نظام الفصل العنصري.
ولا تريد إسرائيل أن يعرف العالم الحقائق المزعجة عن الوجه المظلم للصهيونية، ولهذا حظرت دخول وسائل الإعلام الأجنبية إلى غزة، وقتلت ما يقرب من 300 صحافي في القطاع. وهذا أحد الأسباب التي دفعتها أيضا إلى قتل نحو 400 عامل إغاثة في غزة، معظمهم من العاملين في وكالة «الأونروا». وهو كذلك أحد الأسباب التي دفعت فاشيين يهود، بقيادة الوزير إيتمار بن غفير، إلى هدم مقر «الأونروا» في القدس ثم إحراقه، ومحاولة حظر عمل 37 منظمة إغاثية دولية في فلسطين. فهؤلاء هم عيون وآذان العالم، ولذلك تسعى إسرائيل إلى قتلهم وإسكاتهم.
وخلاصة القول إن ما يفرضه «مجلس السلام» على فلسطين هو نتاج خيال صهيوني يغذّيه جشع ترامب ونرجسيته، وهو يفشل في معالجة الأسباب الجذرية للصراع في الشرق الأوسط. إنه خيانة للحقوق الفردية والجماعية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وخيانة لمبدأ الأرض مقابل السلام الذي شكّل حجر الزاوية في الدبلوماسية الشرق أوسطية لعقود. بل إن «مجلس السلام» يمثل خيانة للمبادئ التي قام عليها عالمنا، وهي خيانة سيدفع العالم والمنطقة ثمنها باهظا.



