مجلس النزق العالمي

وسام سعادة

حرير- «طريف» مجلس السلام الذي يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على توطيده، من بوابة الدمج بين الإشراف على الوضع في غزة وإعادة تشكيل نظام العلاقات الدولية في مبادرة مدمجة، واحدة. طريف بتشكيلة نواته. جاريد كوشنير، ستيف ويتكوف، ماركو روبيو، طوني بلير. تلك النواة التي لم تجد حرجا في تولية ترامب رئاسة المجلس مدى الحياة، وانبثاق جميع القرارات والمبادرات منه. بالشكل الذي يسمح أساسا لترامب بمزيد من التجاوز على المؤسسات الدستورية داخل الولايات المتحدة. يتمتع ترامب في هذا المجلس بسلطات واسعة تشمل حق النقض، والتحكم في جدول الأعمال، وتعيين أو إقالة الأعضاء. أما الدول فتنقسم بين تلك التي ترغب في الحصول على مقعد دائم فتدفع مساهمة قدرها مليار دولار أمريكي نقداً خلال السنة الأولى، وبين الدول التي ليس لها هذا البزخ على فكرة السلام. وجه الطرفة في الموضوع أن عددا من الدول عبر العالم تجد نفسها محرجة حيال هذه المبادرة، والبعض الآخر مغضوب عليها من قبل ترامب، وعبثا تحاول مداراته.

من جهة، تمعن هذه المبادرة في تهميش الأمم المتحدة، واعتماد قاعدة ذهبية من الآن فصاعدا للعلاقات الدولية: ادفع لتلعب!

يصعب تخيل كيف يمكن لهذا المجلس أن يتوطد كإطار مؤسسي. لكنه في الوقت نفسه يستثمر في الأزمة المستفحلة للأمم المتحدة.

منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014 ومجلس الأمن الدولي في حالة موت سريري متفاقمة. في نظام الأمم المتحدة المتشكل بين مؤتمري يالطا وسان فرانسيسكو عام 1945 كان ينظر إلى مجلس الأمن كمشروع حكومة عالمية بشكل من الأشكال، في مقابل الطابع «البرلماني» للجمعية العامة. أريد لمجلس الأمن أن لا يكرر عثرات مجلس عصبة الأمم. الأخير اعتمد على قاعدة الإجماع، وكانت قراراته تفتقر لآلية تنفيذ قوية. فاعتُمد مجلس الأمن كبديل عنه، يقوم على مزدوجة نظام الأغلبية مع منح حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية. تعايش نظام الأمم المتحدة هذا مع مرحلتي الثنائية القطبية زمن الحرب الباردة ومن ثم الهيمنة الأمريكية في العقد الأول بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. في زمن الحرب الباردة، أدى وظيفته «التبريدية» متيحاً بمنبره وكواليسه إبطاء وتائر التصعيد وإنعاش الدبلوماسية. لم يكن فعالا في حل النزاعات إنما كان له مراس في «تجميدها». حال منطق الحرب الباردة دون استخدام الفصل السابع على نحو منهجي، لكن صيغة «قوات حفظ السلام» المرتبطة بقرار هذا المجلس، كانت أشبه ما تكون بـ «الفصل السادس والنصف». أما بعد نهاية الحرب الباردة، فقد أمسى المجلس «غب الطلب» لخدمة سياسات الإدارة الأمريكية. خلال التسعينيات، توسع المجلس في استخدام «الفصل السابع» للتدخل في قضايا داخلية (الصومال، يوغوسلافيا، هايتي) وهي تدخلات كانت تتماشى مع سردية «النظام العالمي الجديد» الأمريكية.

ثم أخذ مجلس الأمن يفتقد لوظيفة جديدة بعد أن شغل دور غرفة تبريد لاحتقانات الثنائية القطبية ثم غرفة تشريع للقطبية الأحادية. ما بين احتلال أمريكا للعراق وغزو روسيا للأراضي الأوكرانية تصدعت الهيكلية «الدستورية» للأمم المتحدة بحيث باتت تتعذر ليس فقط إمكانية الإحياء والاستصلاح، بل إمكانية أن تتجاوز صيغة نظام الأمم المتحدة نفسها نحو صيغة جديدة من داخل آلياتها وغير بعيد عن أدبياتها. مشروع الحكومة العالمية، الأول من نوعه في التاريخ، اعتمد عام 1945 وأصيب بتخلع غير مسبوق بعد 2014. هذا على الرغم من أن «جهاز الأمم المتحدة» بقي يتضخم لسنوات، قبل أن يضطر هو الآخر الى الدخول في تحدي التقليص، مع وصول المتأخرات غير المدفوعة من الدول الأعضاء إلى رقم قياسي.

أما مجلس السلام العالمي الترامبي، ورغم الطابع الغريب جدا للطرح المقدم، إلا أن قيمته الأساسية قيمية- أيديولوجية: توطيد منظار جديد للعلاقات الدولية. من علاماته تحويل التعريفات والرسوم إلى عقوبات مزاجية. ربط التجارة بالولاء السياسي التام؛ فالدول التي لا تدعم مبادرات مثل «مجلس السلام العالمي» أو لا تلتزم بزيادة الإنفاق الدفاعي لـ 5٪، تُهدد بالإغلاق التجاري. هذا في وقت يسعى ترامب إلى إجبار الشركات الأمريكية على الخروج التام من الأسواق المعادية عبر أوامر تنفيذية وضرائب انتقامية، مما يخلق حالة من الذعر في الأسواق العالمية بعد عقود من العولمة.

لأجل هذا يمكن استشراف هذا المجلس كمانيفستو لشيء جديد. مختلف كليا عن النيوليبرالية.

الترامبية ليست تعني فقط ارتدادا على القيم الليبرالية بل هي ارتداد داخلي عن النيوليبرالية.

ما يبقى من النيوليبرالية مع ترامب ليس ثانويا. من خفض الضرائب على رأس المال، إلى تحرير السوق من القيود البيئية والاجتماعية، إلى استمرار تحالف الدولة الرأسمالية مع رأس المال الكبير، إلى – بالمطلق – السعي المحموم لتسليع كل شيء.

لكن الترامبية ميركانتيلية وليست ليبرالية. العداء للتجارة الحرة جوهري عندها. يمكن تسميتها «المركنتيلية الهوجاء» كونها تعتمد على تسليح التعريفات الجمركية، كأداة «جيوسياسية». بمثل ما تتجلى المركنتيلية الهوجاء في إجبار الشركات على نقل سلاسل الإمداد إلى داخل الولايات المتحدة عبر فرض رسوم عقابية. يرتبط ذلك مع طلاق، في إطار العلاقات الدولية مع النظرتين الواقعية والمثالية، لصالح ما يعرف بالنظرية «المعاملاتية»، حيث لا تحضر السياسة الخارجية إلا كمحفظة استثمارية. مع تفضيل الثنائية «وجهاً لوجه»، أن ذلك يمنح الطرف الأقوى قدرة أكبر على الابتزاز وتحقيق شروط أفضل. بما أن العلاقة تقوم على «الصفقة» البحت، والمتفاخرة من حيث هي كذلك، فإن الالتزامات يمكن نقضها في أي لحظة إذا ظهرت صفقة أفضل مع طرف آخر. هذه المركنتيلية الهوجاء تؤسس على «كربجة» النظام الدولي منذ ضم القرم، لكنها تدفع بالاضطراب العالمي إلى مرحلة غير مسبوقة من اجتماع سياسات النزق مع سياسات الهيمنة. المفترض في الأصل أن الهيمنة تحتاج إلى ما هو أكثر توطدا واستقرارا، لكن ما يطرحه ترامب أن ما تحتاجه هو على العكس من ذلك، المزيد من النرجسية، والمزيد من النزق.

 

مقالات ذات صلة