الأردن: احتواء الإسلاميين أم إقصاؤهم؟

بسام البدارين

حرير- التعاطي في المشهد السياسي الأردني مع سيناريو حل حزب جبهة العمل الإسلامي، بوصفه ضمن حزمة إجراءات قانونية وإدارية مباشرة تتطلبها المرحلة والمصالح، ينطوي على تبسيط مخل لطبيعة الأزمة، لا بل وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج ذات الأزمة بصورة أكثر تعقيدا في مشهد داخلي معقد اقتصاديا وإقليميا واجتماعيا.

لا يمكن النظر إلى سيناريو «الحل» باعتباره بين العلاجات التقنية، لأن كلفته السياسية والاجتماعية قد تكون أعلى بكثير من كلفة الاستمرار في إدارة الخلاف ضمن الإطار القانوني والمؤسسي، مع إدراك غالبية الأطراف أن الحوار والمصارحة قد يشكلان مدخلا حيويا لوضع سقف لأي خلاف مع المكون الإسلامي الحزبي والسياسي قبل معالجته.

مفيد جدا تذكير اتجاهات التحريض بأن الدولة الأردنية تاريخيا لم تبن استقرارها عبر الإقصاء، بل عبر الاحتواء المتدرج وإدارة التوازنات داخل المناخ العام.

ومفيد أكثر استذكار ما تقوله علوم الفيزياء حيث الأيديولوجيات لا تقبل الفراغ، وإخراج التعبير الإسلامي المنظم من الفضاء القانوني لا يؤدي إلى إنهائه، بل يدفعه للبحث عن قنوات بديلة قد تكون أقل انضباطا وأكثر قابلية للتسيب أو التصلب أو حتى الانكفاء السلبي.

ومن هنا سيناريو الحل الإداري أو القضائي إذا كان هدفه الإقصاء قد لا ينتج مخرجا مؤاتيا للمصالح الوطنية، والمخرج الأكثر واقعية يتمثل في تسوية سياسية تبقي التيار داخل القواعد، لا دفعه إلى خارجها.

السؤال هو: إذا أخرج حزب جبهة العمل الإسلامي من سجل الأحزاب، فمن يملأ مساحة التعبير السياسي الإسلامي؟

الخارطة الحزبية الأردنية، في وضعها الراهن، لا تملك بدائل منظمة وقادرة على استيعاب هذا الفراغ ضمن مقتضيات المسارات القانونية.

لذلك، فإن الحل لا ينهي الإشكال، بل ينقل الدولة والمجتمع إلى فراغ تمثيلي أكبر من قدرتهما على الاستيعاب السريع، مع التذكير أيضا بأن الحزب كتنظيم سياسي، بوصفه قناة تمثيل لشرائح اجتماعية واسعة، له وزنه الانتخابي وقدرته التنظيمية المتراكمة.

والمسألة قد لا تتعلق بإغلاق مقرات أو شطب كيان حزبي، بل بإدارة تمثيل اجتماعي قائم مع التسليم بمخاطر البقاء في دائرة «احتكار التمثيل» لأي مكون اجتماعي عريض، مما يرجح القول بأن الإقصاء دون توفير بديل سياسي منظم يشكل مجازفة سياسية وأمنية في آن واحد.

عمليا لابد من رفض الخطاب التبسيطي الذي يختزل الموقف في التخويف لأن بقاء الفاعلين السياسيين داخل الإطار القانوني يمنح الدولة أدوات أوضح للضبط والمساءلة، أما إخراجهم من هذا الإطار، فيخلق مساحات رمادية يصعب إدارتها.

ومن هذا المنظور الدولة تكون في موقع أقوى عندما تتعامل مع قوى سياسية معروفة البنية والقيادة والخطاب، مقارنة بالتعامل مع حركات أو شبكات غير منظمة وقد عاين الجميع في التجربة المحلية تداعيات فوضى الادعاء في الشارع عندما يغيب التيار العريض المنظم.

ليس سرا أن صعود اليمين الإسرائيلي وتصلب السياسات الأمريكية تجاه المنطقة يفرضان على الأردن تحديات استراتيجية تتطلب جبهة داخلية متماسكة وقوية.

لكن بالوقت ذاته وجود تعبير شعبي منظم، بما في ذلك التيار الإسلامي، يشكل عنصر توازن داخلي في مواجهة الضغوط الخارجية، شريطة أن يبقى هذا التعبير ضمن سقف الدولة والقانون والإيمان العلني بأن مصلحة الدولة تتقدم على مصالح التيار والحزب في بعض التواقيت الحرجة.

لذلك، فإن كسر هذا التعبير- نقصد الإسلامي- في لحظة إقليمية حساسة قد يفهم، حتى لو لم يكن مقصودا، بوصفه إضعافا للجبهة الداخلية.

القرار التنفيذي الأمريكي المتعلق بتقييم فروع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في الأردن يتحول الآن إلى «واقع موضوعي يزحف ويتزايد».

وليس سرا أن الدولة الأردنية استبقت الحدث بخطوات قانونية داخلية حصيفة نابعة من تقديرها لمصالحها وسيادتها.

لكن التحذير واجب في الوقت ذاته من تحويل الضغوط الدولية إلى مبرر لاتخاذ قرارات داخلية حادة قد تفسر شعبيا كأنها استجابة لإملاءات خارجية، لما لذلك من انعكاسات سلبية على الثقة العامة وعلى صورة القرار الوطني المستقل.

والضرورة تتطلب هنا كسر حدة «الخطأ البصري» من زاوية فكرة حصر التعاطف الشعبي مع غزة أو دعمها سياسيا وإنسانيا في حزب بعينه حيث المزاج يتجاوز الأطر الحزبية ويمس شرائح واسعة من المجتمع الأردني.

المقترح هو الانتقال إلى «إدارة الأزمة بدل حلها» بناء على تسوية سياسية مشروطة.

هذه التسوية تفترض استعداد الدولة للابتعاد عن خيار الصدام المباشر، مقابل التزام الحزب بإعادة الهيكلة الداخلية الحقيقية بحيث تشمل النظام الداخلي، وآليات اتخاذ القرار، وضبط الخطاب السياسي بما ينسجم مع متطلبات العمل الحزبي المدني الوطني.

أي تسوية شكلية أو تغيير اسمي لا يمس جوهر البنية والسلوك لن يكون كافيا، بل سيعيد إنتاج الأزمة لاحقا ولا جدوى من تغيير الاسم بوصفه حلا قائما بذاته، لأن الأسماء لا تلغي الأفكار ولا القواعد الاجتماعية وخيار الدمج مع بقية الأحزاب ليس واقعيا نظرا لاختلال موازين القوة وضعف الحوافز السياسية لدى الأطراف المختلفة.

الخيار الأكثر ترجيحا إذا فرض التغيير يتمثل في إعادة تأسيس بإطار جديد وشروط جديدة، مع بقاء التحدي الأساسي في ضمان أن يكون التغيير جوهريا لا شكليا.

مقالات ذات صلة