
هزيمة إعلامية جديدة.. هذه هي الأسباب
مكرم الطراونة
حرير- يندرج الأردن في قائمة صغيرة إلى جانب دول اليمن، موريتانيا، جيبوتي، الصومال، وجزر القمر، التي خلت منها القائمة المعلنة من الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام مؤخرا، لأكثر 50 إعلاميا وصحفيا مؤثرا في العالم العربي، بينما تحضر باقي الدول في القائمة التي ينبغي أن لا تمر من دون أن نستقصي أسباب الغياب.
بداية، يتوجب أن نتعامل مع القائمة بوصفها موضوعية، حتى لو تشككنا في موضوعيتها أو منهجيتها، فبحسب الاتحاد؛ المعايير المدرجة يمكن اعتبارها مهنية محترمة. ولكن، حتى لو كانت “مزاجية” أو منحازة، فإن ذلك يوجب علينا معرفة أسباب تلك المزاجية والانحياز.
يقول القائمون عليها إنهم تقصوا معايير مهنية في التأثير الرقمي العابر للحدود، والقيادة الإعلامية، والعمق التحليلي للمحتوى الإعلامي، لتظهر أنها تميل إلى صناع المحتوى أكثر من الإعلاميين التقليديين، والذين لهم حضور واسع في الساحة العربية، لا في مجتمعاتهم المحلية فحسب.
غياب الأسماء الأردنية يمكن تفسيره بعوامل مترابطة، وليس سببا واحدا فقط، أهمها مستوى التأثير عبر الحدود، فالقائمة تضع وزنا كبيرا للتأثير على الجمهور العربي عبر المنصات الرقمية، إذ يمكن أن يكون تأثير الإعلامي كبيرا في الداخل، بينما لا يكاد يعرف خارج الحدود.
لكن العامل الحاسم في هذا السياق، هو غياب منظومة تسويق إعلامي قوية، فالإعلام الحديث لا يعتمد فقط على المضمون، بل على قدرة الشخصية أو المؤسسة على الانتشار والتسويق عبر المنصات الرقمية، وفي هذا السياق تظهر دول مثل السعودية ومصر وقطر التي تمتلك إستراتيجيات قوية لدعم إعلامييها عبر شبكات ضخمة، وتمويل مالي كبير، وإستراتيجيات واضحة في توجيه الخطاب.
الأردن لا يتمتع بنفس مستوى التمويل أو الدعم المؤسسي أو الإستراتيجي لمشروع إعلامي مماثل. الإعلام الأردني يركز غالبا على قضايا محلية، وإقليمية ذات امتداد وتأثير محلي، وليس هناك خطة لصناعة إعلامية تجذب المشاهد خارج الحدود، خصوصا مع غياب شبكات إعلامية ضخمة لديها قدرة توزيع وانتشار كبيرة.
لكن، ماذا عن التسويق الإستراتيجي للخطاب الإعلامي الأردني؟
مع بداية ثورة الاتصالات الحديثة، وظهور الإعلام المجتمعي بتنويعاته العديدة، أدركت دول عديدة التأثيرات الاستثنائية للإعلام الجديد، فوضعت إستراتيجيات مناسبة لكي يكون لها نصيب من الظهور والتأثير. لقد تنبهت تلك الدول إلى القيمة السياسية والإستراتيجية لـ”البراند الإعلامي”، وأهمية بناء حملات تسويق وإنتاج محتوى بلغات متعددة، لتمكين حضورها عبر الحدود. هذا الأمر لم يتم تبنيه أردنيا حتى اليوم، إذ ما يزال الإعلام “غارقا” في محليته، ومعتمدا على “الفزعة” في خططه وإستراتيجياته، ومن دون أي خطة واضحة للانتشار العربي أو الدولي.
مثل هذا الغياب لا بد أن يكون مكلفا، فعدم وجود إعلاميين أردنيين في قوائم عربية مماثلة، يعني ضعفا في العلامة الإعلامية للدولة على الساحة العربية، ما يؤثر على قدرة الأردن في إيصال وجهة نظره وإستراتيجياته بصورة مؤثرة، كما يؤثر على النفوذ الدبلوماسي والإقليمي، فالنفوذ السياسي لا يقوم فقط على العلاقات الدبلوماسية، بل أيضا على خطاب محمول يتم توجيهه حسب إستراتيجيات واضحة إلى الفئات المستهدفة، وغياب رواد إعلاميين بمعايير عربية قد يجعل رسالة الأردن أقل حضورا في الفضاء العام العربي.
اليوم نحن أمام نتيجة واضحة لغياب الرؤية الإعلامية المحلية، وينبغي علينا أن نبدأ ببناء منظومة إعلامية وطنية بتعزيز القدرات الرقمية، ودعم إعلاميين أردنيين مدربين على الإنتاج الرقمي والتحليل الإستراتيجي، وأن نخلق منصات إعلامية إقليمية تمثل الأردن وتطرح رأيه في جميع القضايا، على أن تكون هذه المنصات مؤهلة لتنافس نظيراتها العربية.
تأخرنا كثيرا، ولكن لم يفت الأوان لبناء مشروع إعلامي وطني قوي، بإستراتيجية واضحة، وأهداف مبنية على المصلحة الوطنية العليا، وتحديد رؤية إعلامية تشمل الرسائل الأساسية التي يجب إيصالها، وبرؤية إعلامية وطنية متكاملة تنتقل من الخطاب المحلي إلى الصدارة العربية والتأثير الإقليمي.



