تحول مهم وإيجابي في سوريا

محمد عايش

حرير- الحسم الذي نجحت به الدولة السورية تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يُشكل تحولاً إيجابياً بالغ الأهمية على الساحة السورية، بل إن إسقاط «قسد»، ولجم توسعهم في البلاد يُشكل – من الناحية الاستراتيجية – أهمية تتفوق على أهمية إسقاط نظام بشار الأسد، وذلك لأسباب عديدة أهمها، أن «قسد» كانت – وربما لا تزال- تُشكل مشروعاً بالغ الخطورة في سوريا.

لا شك بطبيعة الحال، أن للأكراد حقوقهم ومطالبهم التي ينبغي تلبيتها، ولا شك أنَّ أيَ انتهاك لحقوقهم، سوف يتناقض مع آمال السوريين وطموحاتهم بدولة جديدة وحديثة ومتقدمة، خلفاً للنظام القمعي السابق، ولكن المؤكد أيضاً هو أنه لا يُمكن لدولة حديثة وموحدة أن تقوم في ظل وجود ميليشيات مسلحة تسيطر على مناطق ومحافظات ومدن داخل البلاد، إذ إن هذه الحالة تتناقض مع جوهر الدولة الوطنية الحديثة.

الحسم الذي نفذته قوات الحكومة السورية، والتوصل إلى اتفاق مع قوات «قسد»، وهو الاتفاق الذي من المفترض أن ينتهي إلى دمج هذه القوات في الجيش النظامي السوري، يُشكل تحولاً بالغ الأهمية في الطريق نحو بناء الدولة السورية الجديدة، وذلك لأسباب عديدة في ما يلي أهمها:

أولاً: هذا الحسم، أو هذا الاتفاق، يشكل انهياراً للمشروع الأمريكي الإسرائيلي الرامي الى تقسيم سوريا، حيث كانت هذه الميليشيا تتلقى الدعم والتسليح والتمويل من الولايات المتحدة، وكان يسود الاعتقاد بأنها من الممكن أن تكون نواة لانقسام داخلي سوري، أو نواة لدولة كردية تنفصل تماماً عن الدولة المركزية السورية، ليأتي هذا الانكفاء ويُنهي هذه التكهنات ويضع حداً لهذا المشروع.

ثانياً: ما حدث خلال الأيام الماضية هو رسالة مهمة للذين يحاولون الاحتماء بإسرائيل، من الدروز في مدينة السويداء، الذين أيضاً ساد الاعتقاد منذ شهور بأنهم قد يتلقون الدعم والحماية من إسرائيل للانفصال عن سوريا، على غرار ما حدث في جنوب السودان قبل سنوات. ما حدث يُشكل تأكيداً من الدولة السورية الجديدة، أن أي مشروع للانفصال لن يتم تمريره ولا القبول به، وأن الحسم العسكري هو خيار مطروح على أي حال.

ثالثاً: انكفاء قوات «قسد» يؤكد أن الاحتماء بالخارج لا يُمكن أن ينجح، ولو كانت الدولة ضعيفة، أو وليدة، أو تحت التأسيس وقيد التشكيل، فالمشاريع ذات الامتداد الخارجي، أو الحاصلة على دعم أجنبي، لا يُمكن أن يُكتب لها النجاح؛ إذ من حق الشعوب أن تحتج على أنظمتها وأن تطلب التغيير، ولكن ليس من حق أحد أن يستقوي بالخارج على إخوانه من أبناء شعبه، وهذه صيغة لا يُمكن أن تنجح على أي حال.

رابعاً: أصبحت سوريا اليوم أبعد بكثير من الانزلاق نحو حرب أهلية، أو اقتتال داخلي، وهي الحالة التي كان الكثيرون يتوقعونها منذ انهيار النظام، في أواخر عام 2024، حيث كان ثمة جيش يتبع السلطة في دمشق، وآخر كردي يُسيطر على عدد من المحافظات، ومساحة ليست قليلة من الأراضي السورية، وكان يسود الاعتقاد بأن هذا الشكل من الانقسام سيؤدي إلى الاقتتال حتماً، وهو ما ثبت أنه احتمال ليس حتميا ولا قدرا مكتوبا على الدولة السورية الجديدة.

ما حدث في سوريا خلال الأيام الماضية، هو تحول بالغ الأهمية إذن، ومن المهم عدم تسطيحه ولا تبسيطه، إذ هو تحول استراتيجي بالغ الأهمية، ويأتي بالتزامن مع ما يجري في اليمن؛ إذ انهار مشروع التقسيم في كل من البلدين معاً، وكلاهما كان مشروعا للتفتيت يرمي إلى بناء دويلات ضعيفة على أنقاض هذه الدول العربية.

ويجب على العرب أن يكونوا متفقين بأن أي انقسام داخلي، أو تفتيت للدول المنقسمة أصلاً، لا يُمكن أن يصب في مصلحتهم، بل إن العرب كانوا جميعاً وحدة واحدة وجاء تقسيم «سايكس بيكو» ليعبث بوحدتهم وقوتهم، وبكل تأكيد فهم ليسوا بحاجة لتقسيم جديد ولا لـ»سايكس بيكو» جديدة.

مقالات ذات صلة