
أدوات تنفيذ “مشروع إسرائيل الكبرى في المنطقة : الهجري ، قسد ، بعض الأعراب “
المؤرخ أ.د ياسر طالب الخزاعله.
حين يُطرح مفهوم “مشروع إسرائيل الكبرى” في الوعي العربي، فإن الأمر لا يتوقف عند كونه شعارًا أيديولوجيًا أو خطابًا تعبويًا، بل يتجاوز ذلك إلى كونه رؤية استراتيجية متراكمة الجذور، تشكلت عبر عقود طويلة من العمل السياسي والعسكري والاستخباري، واستثمرت في تشققات المنطقة العربية والإسلامية، وفي هشاشة بنيتها الاجتماعية والسياسية، وفي تناقضات هوياتها الفرعية، لتتحول هذه الرؤية إلى مشروع عملي له أدوات تنفيذ واضحة، تتبدل أشكالها لكن جوهرها يبقى واحدًا: تفتيت المنطقة، وإضعاف دولها المركزية، وتحويل الصراعات من صراع مع عدو خارجي إلى صراعات داخلية لا تنتهي.
هذا المشروع لم يُبنَ دفعة واحدة، بل تدرّج منذ لحظة قيام الكيان الصهيوني، حين أدرك قادته الأوائل أن البقاء في محيط عربي وإسلامي واسع يتطلب أكثر من مجرد تفوق عسكري، بل يحتاج إلى هندسة كاملة للبيئة المحيطة، تبدأ بزرع الشك بين أبناء الأمة الواحدة، وتنتهي بإعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للمنطقة بما يضمن لإسرائيل التفوق الدائم، لا بالقوة الصلبة وحدها، بل بالقوة الناعمة أيضًا، وبما يمكن تسميته اليوم “حروب الوكالة”، حيث تُنفذ المشاريع الكبرى بأيدٍ محلية، وبشعارات محلية، لكن ضمن أجندة خارجية واضحة المعالم.
في هذا السياق، تصبح أدوات تنفيذ المشروع أخطر من المشروع نفسه، لأن المشروع يظل فكرة في الذهن، أما الأدوات فهي التي تحوّل الفكرة إلى واقع دموي ومعقّد، وتمنحها القدرة على التغلغل في المجتمعات من الداخل. ومن بين هذه الأدوات ما هو عسكري صريح، وما هو سياسي، وما هو اجتماعي وثقافي، لكن أخطرها جميعًا تلك التي تتخفى خلف عناوين المظلومية، أو الدفاع عن الحقوق، أو محاربة التطرف، بينما هي في حقيقتها جزء من معادلة تفتيت المنطقة وإعادة تشكيلها وفق مصالح غير عربية وغير إسلامية.
ومن بين أبرز هذه الأدوات التي طفت على السطح في العقدين الأخيرين، تنظيمات متطرفة كتنظيم “الهجري” وأمثاله من الجماعات التي رفعت شعارات دينية لكنها مارست أبشع صور التشويه للدين، فحوّلت الإسلام من رسالة عدل ورحمة إلى صورة دموية مرعبة في أعين العالم، وأسهمت في خلق الذريعة الأخطر لتدخل القوى الدولية في شؤون المنطقة. هذه التنظيمات لم تظهر من فراغ، بل نشأت في بيئات مضطربة، غذتها حروب خارجية، ومولتها شبكات استخبارية بطرق مباشرة أو غير مباشرة، واستُثمرت في تفجير المجتمعات من الداخل، وإعادة توجيه بوصلة الصراع بعيدًا عن الاحتلال الإسرائيلي نحو صراعات داخلية مذهبية وطائفية.
لقد كان أخطر ما فعلته هذه الجماعات أنها نزعت عن الصراع في المنطقة طابعه التحرري، وحوّلته إلى صراع عبثي بين أبناء الأمة الواحدة، فبدل أن يتوحد المسلمون والعرب حول قضية مركزية كفلسطين، وجدوا أنفسهم في دوامة لا تنتهي من الحروب الأهلية، والصراعات الطائفية، والاقتتال الداخلي، وهو ما شكّل هدية استراتيجية لإسرائيل، لم تكن لتحلم بها في أكثر لحظات قوتها العسكرية. فحين ينشغل العرب والمسلمون بقتال بعضهم، تتراجع قضية القدس إلى الهامش، وتتحول إسرائيل من كيان محتل إلى “دولة” تبحث عن أمنها في محيط مضطرب، بل وتُقدَّم أحيانًا كحليف محتمل ضد “الإرهاب”، في مفارقة تاريخية موجعة.
وفي السياق ذاته، برزت “قسد” بوصفها نموذجًا آخر من أدوات التنفيذ، لكن بوجه مختلف، حيث ارتدت هذه المرة لباس “محاربة الإرهاب” و”حماية الأقليات”، لتتحول إلى ذراع ميداني لمشاريع التقسيم في سوريا، وتكون جزءًا من معادلة إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالمسألة هنا لم تكن مجرد تحالف عسكري عابر، بل مشروع متكامل لبناء كيان وظيفي في شمال سوريا، يشكل حاجزًا جغرافيًا وسياسيًا بين المشرق العربي وعمقه، ويعيد إحياء أفكار قديمة عن دويلات إثنية وطائفية تكون أكثر قابلية للتحكم والسيطرة، وأبعد عن أي مشروع وحدوي عربي أو إسلامي.
وقد أدركت إسرائيل مبكرًا أن أخطر ما يهدد مشروعها ليس الجيوش التقليدية فحسب، بل وجود دول قوية موحدة، تمتلك قرارها السياسي، وتملك حدًا أدنى من الاستقلال الاقتصادي والعسكري. لذلك كان استثمارها في مشاريع التفتيت دائمًا أولوية استراتيجية، سواء عبر دعم حركات انفصالية، أو عبر إذكاء الصراعات بين المكونات الاجتماعية للدولة الواحدة. وفي هذا الإطار، تصبح “قسد” مثالًا صارخًا على كيف يمكن لقوة محلية أن تتحول إلى أداة تنفيذ لمشروع إقليمي ودولي أوسع، حتى وإن رفعت شعارات قومية أو حقوقية في ظاهرها.
لكن الأخطر من كل ذلك، وربما الأكثر إيلامًا في الوعي العربي، هو الدور الذي لعبه “بعض الأعراب”، لا بمعناه القرآني الأخلاقي فحسب، بل بمعناه السياسي المعاصر، حين تحولت بعض الأنظمة العربية من حالة العداء لإسرائيل إلى حالة التحالف الصريح أو الضمني معها، تحت عناوين شتى: مواجهة إيران، أو محاربة الإسلام السياسي، أو حماية الاستقرار، أو الانخراط في النظام الدولي الجديد. لقد شكّل هذا التحول واحدة من أكبر الهزائم المعنوية في التاريخ العربي الحديث، إذ لم تعد إسرائيل بحاجة إلى اختراق المنطقة من الخارج، ما دام الاختراق يتم اليوم من الداخل، وبأيدٍ عربية، وبأموال عربية، وبخطاب إعلامي عربي يبرر التطبيع، ويصوّر العدو صديقًا، ويصوّر الأخ خطرًا وجوديًا.
وهنا تتجلى خطورة الأدوات المحلية في تنفيذ المشاريع الخارجية، فحين تصبح بعض الأنظمة أو النخب جزءًا من معادلة الأمن الإسرائيلي، فإن ذلك يعني عمليًا أن المشروع الصهيوني لم يعد مجرد مشروع احتلال لأرض فلسطين، بل تحول إلى مشروع هيمنة إقليمية، يفرض نفسه على السياسات العربية، وعلى أولوياتها، وعلى تعريفها للعدو والصديق. وهذا أخطر تحول استراتيجي شهدته المنطقة منذ نكبة 1948، لأنه ينقل الصراع من كونه صراعًا بين أمة ومحتل، إلى صراع داخل الأمة نفسها حول معنى الهوية والولاء والانتماء.
وإذا نظرنا بعمق إلى تلاقي أدوار هذه الأدوات المختلفة، من تنظيمات متطرفة، إلى قوى محلية مسلحة، إلى أنظمة عربية متحالفة، ندرك أن المشروع لا يقوم على أداة واحدة، بل على شبكة معقدة من الأدوات المتكاملة، كل واحدة منها تؤدي دورًا في مرحلة معينة. فالتنظيمات المتطرفة تُستخدم لتدمير الدول من الداخل، وإسقاط الجيوش الوطنية، وتشويه صورة الإسلام، وتبرير التدخل الخارجي. والقوى المحلية المسلحة تُستخدم لإعادة رسم الحدود الفعلية على الأرض، وفرض وقائع سياسية جديدة. أما بعض الأنظمة العربية فتُستخدم لإضفاء الشرعية السياسية على هذا الواقع الجديد، عبر التطبيع، والتنسيق الأمني، وإعادة تعريف التهديدات.
وهكذا تتحقق المعادلة الكبرى: إسرائيل في مركز النظام الإقليمي الجديد، والعالم العربي في حالة تفتت دائم، تتنازعه الهويات الفرعية، وتستنزفه الصراعات الداخلية، وتُعاد صياغة أولوياته بما يخدم أمن إسرائيل لا أمنه القومي. وفي ظل هذا المشهد، تصبح فكرة “إسرائيل الكبرى” أقل ارتباطًا بالحدود الجغرافية التقليدية، وأكثر ارتباطًا بالحدود الوظيفية، أي بقدرة إسرائيل على التأثير في قرارات دول المنطقة، وعلى توجيه سياساتها، وعلى ضمان ألا تقوم في جوارها دولة قوية مستقلة القرار.
ولعل أخطر ما في هذا المشروع أنه لا يُفرض بالقوة العسكرية وحدها، بل يُمرَّر عبر خطاب إعلامي وثقافي طويل النفس، يعمل على تفكيك الوعي الجمعي العربي، وإعادة تشكيله. فتصبح المقاومة إرهابًا، والتطبيع سلامًا، والانقسام واقعية سياسية، والتفريط حكمة. وهنا تتحول الأدوات الإعلامية والثقافية إلى جزء لا يتجزأ من منظومة التنفيذ، حيث تُشيطَن كل فكرة وحدوية، وتُحاصَر كل محاولة لاستعادة مفهوم الأمن القومي العربي، ويُروَّج لنموذج الدولة القُطرية المنعزلة التي لا شأن لها بقضايا الأمة الكبرى.
في هذا السياق، لا يمكن فهم أدوار التنظيمات المتطرفة، ولا أدوار القوى المحلية المسلحة، ولا تحولات بعض الأنظمة العربية، بمعزل عن الصورة الكبرى للمشروع. فهذه كلها ليست ظواهر منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، تبدأ بتفكيك الوعي، وتمر بتفكيك الدولة، وتنتهي بتفكيك المنطقة ككل. وحين تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يصبح الحديث عن “إسرائيل الكبرى” حديثًا عن واقع يتشكل، لا عن حلم مؤجل.
غير أن أخطر ما يمكن أن يحدث في مواجهة هذا المشروع هو الاستسلام له بوصفه قدرًا لا يُرد. فالتاريخ يعلمنا أن المشاريع الكبرى، مهما بلغت قوتها، لا تنجح إلا إذا وجدت بيئة مستسلمة أو متواطئة. أما حين تواجه بوعي جمعي متماسك، وبمشروع مضاد يقوم على إعادة بناء الإنسان العربي قبل إعادة بناء الدولة، فإن موازين القوى تبدأ بالتحول تدريجيًا. فالمعركة في جوهرها ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وهوية وذاكرة.
وإذا كان المشروع الصهيوني قد نجح في توظيف أدوات متعددة لتنفيذ رؤيته، فإن الرد الحقيقي لا يكون فقط برفض هذه الأدوات، بل بفهم آليات عملها، وبناء مشروع نهضوي عربي وإسلامي يعيد الاعتبار لفكرة الأمة، ويستعيد مركزية القضية الفلسطينية، ويعيد تعريف العدو تعريفًا صحيحًا، بعيدًا عن الانفعالات الطائفية والمذهبية التي مزقت المجتمعات من الداخل.
إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس تفوق إسرائيل العسكري، ولا دعم الغرب لها، بل حالة التمزق الداخلي التي جعلت من أدوات المشروع أقوى من أي وقت مضى. فحين يصبح العربي خائفًا من أخيه أكثر مما يخاف من عدوه، وحين يصبح المسلم مشغولًا بصراعات مذهبية لا تنتهي، وحين تتحول بعض العواصم العربية إلى منصات لترويج الرواية الصهيونية، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة يكون فيها السلاح الأشد فتكًا هو تفكيك المعنى قبل تفكيك الجغرافيا.
وفي الختام، يمكن القول إن أدوات تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى في المنطقة ليست مجرد قوى عسكرية أو تنظيمات متطرفة أو تحالفات سياسية، بل هي منظومة متكاملة تعمل على تفكيك الإنسان العربي نفسيًا وثقافيًا قبل تفكيكه سياسيًا وجغرافيًا. وإن مواجهة هذه المنظومة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإعادة بناء مشروع حضاري عربي وإسلامي يعيد الثقة للإنسان بنفسه، ويعيد الاعتبار لقيم الوحدة والعدالة والكرامة، ويضع الصراع في سياقه الصحيح: صراع بين مشروع احتلال وهيمنة، ومشروع تحرر ووحدة. وما لم يتحقق هذا الوعي الجمعي، ستبقى الأدوات تتبدل، لكن المشروع سيظل يتقدم، خطوة بعد خطوة، في طريق طويل من التفتيت لا ينتهي إلا باستعادة الأمة لبوصلتها الكبرى.



