غرينلاند ليست جزيرة، بل وثيقة إدانة مجمّدة

عماد عيساوي

غرينلاند ليست جزيرة، بل وثيقة إدانة مجمّدة، ملفًّا مفتوحًا تركه الغرب في الثلاجة كي لا تتعفّن رائحته، لكنها تعفّنت،فقط تعلّموا كيف لا يشمّون.
هناك، في أقصى الشمال، حيث لا تصلك ضوضاء المدن ولا خطب حقوق الإنسان، جرت واحدة من أنظف الجرائم في تاريخ البشرية، جريمة بلا دماء سائلة، بلا صور صادمة، بلا محاكمات، لأن القاتل كان يرتدي معطف الطبيب، ويحمل كتاب التنوير، ويتحدّث عن التقدم وهو يدوس على الرحم،ويقيس الإنسان بالمسطرة الديمغرافية.
الإنويت، أو الكالاليت، لم يكونوا شعبًا بدائيًا كما صُوِّروا، بل كانوا فضيحة حضارية.
شعبًا عاش آلاف السنين دون دولة، دون سجون، دون حدود،ودون الحاجة إلى تعليمات أخلاقية من كوبنهاغن أو باريس.
كانوا يعرفون البحر أكثر مما تعرفه الجامعات، ويعرفون الجليد أكثر مما تعرفه الأقمار الصناعية، ويعرفون معنى الاكتفاء أكثر مما تعرفه اقتصاديات السوق.
وهذا بالضبط ما لم يغفره لهم الغرب.
الحضارة الغربية لا تحتمل فكرة أن هناك من عاش جيدًا دونها، لأن ذلك ينسف أسطورتها من الأساس.
حين وصلت الدانمارك، لم تأتِ بالسيف، بل بالإنجيل، لم تدخل بالغزو، بل بالابتسامة، لم تعلن الحرب، بل أعلنت الوصاية.
قالت نحن هنا لنحميكم، لترقيتكم، لتمدينكم، وهي العبارة نفسها التي قيلت في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لكن الفرق أن الجليد هنا كان شاهدًا صامتًا، لا يصرخ، ولا يفضح. الاحتلال الدانماركي لغرينلاند لم يكن حدثًا، بل مسارًا، عملية طويلة من التفكيك البطيء، مثل عملية جراحية تُجرى دون تخدير كامل، حتى لا يموت المريض بسرعة، بل يتعوّد على الألم.
أولًا، جرى تدمير الجسد عبر المرض، لا باعتباره جريمة، بل كأثر جانبي للحضارة.
الجدري والسل لم يُسجَّلا كإبادة، بل كقدر.
مات الآلاف، لا لأن أحدًا أطلق النار، بل لأن أحدًا قرر أن يرسو بسفنه، وأن يفتح موانئه، وأن يختلط دون اكتراث بمن لا يملك مناعة ضد “التقدم”.
ثم جرى تدمير الاقتصاد، حين احتكرت الدانمارك التجارة،وربطت الإنويت بالمركز، نزعت عنهم استقلالهم الغذائي، وكسرت نظام الصيد، وحوّلت الصياد الحر إلى عامل تابع، ينتظر الفتات من مخازن المستعمِر.
الجوع هنا لم يكن فقرًا، بل أداة ضبط.
ثم جاء الدور على الذاكرة.
الأطفال خُطفوا من لغتهم، من أمهاتهم، من حكايات الجليد،وأُدخلوا مدارس لا تعلّم بقدر ما تمحو.
اللغة الدانماركية لم تكن وسيلة تواصل، بل سلاح محو. حين تُجبر طفلًا على كره لغته، فأنت لا تعلّمه لغة جديدة، بل تزرع فيه كراهية نفسه. وهكذا صُنعت أجيال معلّقة، لا تنتمي تمامًا،لا تثق تمامًا، لا تعرف من تكون، وهذه حالة مثالية لشعب يُراد له ألا يثور، لأن من لا يعرف نفسه لا يعرف كيف يدافع عنها.
لكن الجريمة الكبرى، الوقحة، الفاضحة، التي تكشف أن الأمر لم يكن “سوء إدارة” ولا “أخطاء مرحلة”، بل مشروعًا كاملًا،كانت حين قررت الدولة التي تدرّس حقوق الإنسان أن تتحكم في أرحام النساء.
زرع اللولب قسرًا لم يكن إجراءً صحيًا، بل بيانًا سياسيًا
أنتم كثيرون أكثر مما نحتمل، مستقبلكم يزعج حساباتنا،وأرحامكم ليست ملككم.
خمسون بالمئة من نساء الإنويت في سن الإنجاب عُقّمن فعليًا، لا لأنهن مريضات، بل لأن وجودهن خطر ديمغرافي. هذه ليست جريمة، هذه فلسفة. فلسفة ترى الإنسان متغيرًا يمكن ضبطه، تقليصه، أو إلغاؤه إن لزم الأمر.
ثم، بعد كل هذا، تقف الدانمارك اليوم لتقول إنها من أسعد دول العالم، وتبتسم للكاميرات، وتحدّثك عن العدالة الاجتماعية، وكأن سعادة المركز لا علاقة لها ببؤس الأطراف. وكأن رفاه الشمال لم يُموَّل من كسر شعب كامل.
وكأن الضمير الغربي لا يعمل إلا داخل حدوده الجغرافية.
وعندما يأتي ترامب، بكل وقاحته الأمريكية، ليقول إنه يريد غرينلاند، لا يفعل سوى نزع القناع عن مسرحية قديمة. أمريكا لا تختلف عن الدانمارك، فقط لا تجيد التمثيل بنفس الرقي.
ما عجزت أوروبا عن قوله علنًا، تقوله أمريكا دون خجل الأرض تُشترى، الشعوب تُدار، والمستقبل يُقرَّر في المكاتب لا في القرى.
ترامب لم يكن شاذًا عن السياق، بل كان ابن السياق، ابن تاريخ طويل من اعتبار العالم ملكية خاصة للرجل الأبيض.
غرينلاند اليوم ليست محتلة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها ليست حرة أيضًا.
هي منطقة معلّقة، ذات حكم ذاتي بلا سيادة، وهو أذكى اختراعات الاستعمار المتأخر
أن تمنح الضحية شعورًا بالاختيار، بينما تُمسك أنت بكل المفاتيح.
الثروات، القواعد العسكرية، القرار الاستراتيجي، كلها خارج يد السكان الأصليين. وما تبقّى لهم هو الفولكلور، وبعض الأغاني، وحق الشكوى.
ما أكتبه ليس عن غرينلاند فقط، بل عن الغرب حين يُجرَّد من بلاغته. عن حضارة لا ترى في الإنسان قيمة إلا بقدر ما ينتج، وبقدر ما لا يعيق المشروع.
عن عالم يُدين الجرائم فقط حين يرتكبها الآخرون، ويُعيد تسميتها حين تكون من صنعه.
وغرينلاند، بكل صمتها الأبيض، تقول الحقيقة كاملة
أن الإبادة لم تختفِ، بل أصبحت أكثر ذكاءً، أكثر برودة،وأكثر قدرة على الادعاء بأنها لم تحدث أصلًا.
الأستاذ عماد عيساوي

مقالات ذات صلة