إنسحاب امريكا من 66 منظمة دولية صدق فج

عماد عيساوي

بعد إعلان الولايات المتحدة انسحابها من ستٍّ وستين منظمة دولية، لم يحدث زلزال أخلاقي في النظام العالمي، بل سقط الديكور فقط، وظهر الجدار المتعفن خلفه.
لم تُفاجئ واشنطن أحداً سوى الحمقى، ولم تصدم إلا من اختاروا النوم واقفين لعقود تحت لافتة اسمها “الشرعية الدولية”.
القرار لم يكن انفعالاً ولا نزوة، بل خلاصة منطق إمبراطوري بارد يقول
حين تنتهي فائدة الأداة، تُكسر، وحين يصبح القناع عبئاً،يُرمى. لا قيم، لا شعارات، لا دموع، فقط مصلحة عارية تمشي بلا ملابس.
الولايات المتحدة لم تنسحب من منظمات “إنسانية” أو “تنموية” أو “ثقافية”، بل انسحبت من أوهام كانت هي نفسها من صمّمها وباعها للعالم كسلعة أخلاقية.
هذه المنظمات لم تكن يوماً ملجأً للفقراء ولا درعاً للضعفاء، بل كانت مكاتب سمسرة ناعمة، تُدار فيها الهيمنة بلغة مهذبة،ويُعاد فيها إنتاج السيطرة بأختام رسمية وتقارير ملوّنة. كانت وسيلة لتأجيل الانفجار، لتخدير الضحايا،ولإقناع الشعوب بأن هناك عدالة تعمل في الخلفية، بينما كانت ماكينة النهب تعمل في المقدمة بلا توقف.
حين تقول الإدارة الأمريكية إنها تحمي مصالحها، فهي لا تمارس وقاحة، بل تمارس صدقاً فجّاً. الوقاحة الحقيقية هي أن تُطالَب إمبراطورية بأن تكون جمعية خيرية، أو أن تُحاسَب دولة عظمى بمنطق الوعظ الأخلاقي.
هذا خطاب يصلح للاستهلاك العربي، حيث تُدار السياسة بالعاطفة، وتُفهم العلاقات الدولية كخطبة جمعة، لا كحلبة صراع. أمريكا لم تضحِّ برفاهية الناس فجأة، بل لم تعتبرها يوماً ضمن حساباتها، والذين صدّقوا غير ذلك كانوا بحاجة إلى طبيب نفسي لا إلى محلل سياسي.
الانسحاب يكشف حقيقة أبشع
النظام الدولي ليس مكسوراً، بل يعمل كما صُمّم تماماً.
هو نظام أُقيم ليخدم الأقوى، لا ليحمي الأضعف، ليضبط الفوضى بما يسمح باستمرار النهب، لا ليمنع الظلم. والمنظمات الدولية ليست سوى مسامير في هذا البناء، تُستبدل حين تصدأ، وتُرمى حين تتآكل.
لا أحد فيها بريء، ولا أحد فيها مستقل، وكل من يحدّثك عن “الحياد” إما كاذب أو أحمق أو موظف ينتظر راتبه آخر الشهر.
أما العالم العربي، فقصته أكثر إذلالاً.
نحن لم نكن ضحايا فقط، بل شركاء في خداع أنفسنا.
بنينا دولاً كرتونية، ثم سلّمنا مفاتيحها لمكاتب دولية، وسمّينا ذلك تعاوناً. دمّرنا التعليم، ثم انتظرنا تقارير أممية لتخبرنا أننا متخلفون. نهبنا ثرواتنا، ثم طالبنا منظمات الشفافية بأن تشرح لنا أين اختفت. قمعنا شعوبنا، ثم بكينا لأن تقارير حقوق الإنسان “غير منصفة”.
هذا ليس سذاجة، هذا انحطاط سياسي وعقلي مكتمل الأركان.
الأنظمة العربية تعاملت مع المنظمات الدولية كما يتعامل المتسوّل مع باب الجامع
تنتظر الصدقة، تخاف الغضب،وتعيش على الفتات.
لم تسأل يوماً لماذا تُنشأ هذه المنظمات؟ من يمولها؟
لمن تكتب تقاريرها؟ ولماذا تصمت حين تُذبح شعوب بأكملها؟
كانت سعيدة بلحظة صورة، بتصريح مجامل، ببيان غامض،وتعتبر ذلك إنجازاً سيادياً.
وحين ينسحب الممول، تنهار المسرحية، ويُكتشف أن “الشرعية الدولية” كانت مثل مظلة مثقوبة في عاصفة.
الوهم الذي يجب ذبحه بلا شفقة هو الاعتقاد بأن هناك نظاماً عالمياً أخلاقياً يمكن الاحتماء به.
لا يوجد.
هناك ميزان قوة فقط,من يملك الاقتصاد،والمعرفة،والسلاح،يكتب القواعد، ومن لا يملك شيئاً، يصفق ويترجّى.
بلداننا العربية اختارت أن تكون في خانة المتفرجين، ثم اندهشت حين طُردت من الصالة. لا مشروع، لا رؤية، لا استقلال قرار، فقط شعارات مستهلكة ولغة خشبية وخطب جوفاء عن “الالتزام بالمواثيق الدولية” التي لا يلتزم بها صانعوها أنفسهم.
انسحاب الولايات المتحدة ليس كارثة، الكارثة أننا ما زلنا نتعامل معه كحادث استثنائي لا كقاعدة. الكارثة أننا نبحث عن بديل دولي بدل أن نبحث عن دولة حقيقية. الكارثة أننا نريد عدالة من عالم لا يحترم إلا القوة، ونريد حماية من نظام لا يرى فينا سوى أرقام فائضة.
نحن نعيش في الوهم لأن الوهم أقل كلفة نفسياً من الاعتراف بالعجز، وأقل إيلاماً من مواجهة السؤال القاسي ماذا بنينا بأيدينا؟ لا شيء.
من هنا، لا معنى للندب ولا للبكاء على “التعاون العالمي” ولا لإعادة تدوير خطاب الضحية.
من لا يبني اقتصاداً منتجاً، ولا دولة قانون داخلية، ولا إنساناً متعلماً، لا يحق له أن يطالب العالم بالرحمة. العالم لا يرحم، والتاريخ لا يشفق، والسياسة لا تعترف بالضعفاء إلا كمواد خام. هذه ليست قسوة لغوية، بل حقيقة بيولوجية في عالم الدول.
انسحاب أمريكا صفعة، نعم، لكنها صفعة مستحقة.
صفعة تكشف أننا عشنا طويلاً على كذبة، وأننا صدّقنا مسرحية سيئة الإخراج، وأننا استبدلنا السيادة بالتقارير،والقرار الوطني بالمساعدات، والكرامة بالتصفيق في القاعات الدولية.
من لا يفهم هذا الآن، سيظل يكتب البيانات، ويعقد الندوات،وينتظر الخلاص من الخارج، حتى يكتشف، متأخراً جداً، أن الخارج لا يأتي إلا ليفترس، وأن الداخل الذي لم يُبنَ لا يمكن أن يحمي أحداً.

مقالات ذات صلة