
التيار الآخر في إيران
د. عمرو الشوبكي
حرير- الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ الشهر الماضي والشعارات التي رفعها المتظاهرون أكدتا استمرار الانقسام المجتمعي حول النظام القائم وجوهر توجهاته، هذا الانقسام جرى التعبير عنه سابقاً في تنافس انتخابي بين الإصلاحيين والمحافظين، تحول في السنوات الأخيرة إلى خلاف حول التفاصيل وبرامج الإدارة والسياسات العامة والخدمات، وليس حول جوهر النظام، وأصبح التباين بين تيار محافظ داعم ومرتبط بمرشد الجمهورية وتيار إصلاحي يرضى عنه المرشد.
والحقيقة أن مظاهرات إيران أكدت ليس فقط حيوية المجتمع الإيراني وقدرته على أن يكون «مصنعاً» دائماً للاحتجاجات السياسية والمطلبية، إنما أيضاً رفعت شعارات أكدت أن الانقسام الموجود في كثير من البلدان الشرق أوسطية حول السياسات التدخلية وخطاب المقاومة ومواجهة القوى الكبرى والاستعمارية ليس محل «إجماع وطني»، كما يصور النظام الحاكم في طهران، وأن الهتاف «لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران» أو حرق صورة قائد «الحرس الثوري» الراحل، قاسم سليماني، أو الحنين للنظام السابق، كما يجري في بلدان أخرى، بالقول: «هذه المعركة الأخيرة نجل الشاه سوف يعود». كل ذلك يقول إن إيران التي أسست النموذج الأكثر جدية وتقدماً مقارنة بنظم «الممانعة العربية»، هي دولة طبيعية ومجتمعها طبيعي، وإنه لا يجمع على دعم التدخل في شؤون الدول الأخرى ورفع شعارات تحرير القدس ودعم «حزب الله» وفصائل عراقية والحوثيين و«حماس»، لأن هناك قطاعاً كبيراً من الشعب يرى أن الإيرانيين أجدر بهذه الأموال التي تنفق على تنظيمات «غير إيرانية»، وأن تعاطف الكثير من الإيرانيين مع الشعب الفلسطيني لا يعني ترجمة هذا التعاطف إلى حرب مع إسرائيل، ولا في عتاد وسلاح ومال يرسل إلى «حزب الله» قبل الجيش الإيراني.
حان الوقت لكي يعترف النظام الإيراني أن خطاب المقاومة ودعم المستضعفين ومحاربة «الاستكبار العالمي» و«الموت لأميركا وإسرائيل»، وغيرها من الشعارات، ليست محل اتفاق داخلي، وأن التيار الآخر الذي يؤمن بالدولة الوطنية التي لا تتدخل في شؤون الآخرين، ويدافع عن مشروع مدني يستمد شرعيته من الشعب والدستور والمؤسسات المنتخبة ويقلص سلطة الولي الفقيه داخل الإطار الروحي والديني والأخلاقي ويبعدها عن السياسة موجود بقوة وربما أصبح غالباً.
مظاهرات إيران وتياراتها الإصلاحية تقول إن إيران مثل كل الدول التي تبنت خيارات تدخلية أو ثورية أو رفعت راية عابرة للحدود سواء كانت أممية إسلامية أو اشتراكية أو قومية عربية تبلور في داخلها تيار يقول: «كفى نريد أن ننظر إلى مشاكلنا أولاً».
إن دولة مثل مصر ظلت طوال حكم الرئيس عبد الناصر بداخلها تيار يرى أن مصر يجب أن تكون أولاً وعليها ألا تدخل حروباً من أجل القضية الفلسطينية، ولا أن ترفع لواء القومية العربية على حساب أولوياتها الوطنية والمصرية، وكانت معاهدة السلام التي وقعها الرئيس السادات تتويج لوجود هذا التيار وحضوره.
صحيح أن الانقسام بين التيارات الوطنية والخيارات العابرة للحدود ليس الوحيد، فهناك خلاف حول اشتراكية عبد الناصر، كما أن هناك خلافاً حول رأسمالية السادات، وهناك جوانب أخرى للخلاف السياسي والثقافي والاجتماعي في إيران التي فرض نظامها قيوداً على الحريات العامة والحقوق الشخصية وحقوق المرأة مما جعل المختلفين معه لا يكتفون فقط «بالأولوية الوطنية»، إنما أيضاً يرفضون القيود الاجتماعية التي فرضها النظام على قطاعات واسعة من الشعب، خصوصاً المرأة.
ميزة إيران مقارنة بنظم ادعاء الممانعة العربية أنها ليست فقط نظاماً جاداً يؤمن بالعلم إنما أعطى هامشاً سياسياً، ولو محدوداً، للمخالفين في الرأي والتوجه، على خلاف ما جرى في نظم عربية مثل صدام حسين، والقذافي، وبشار الأسد الذي فاق بجرائمه أي نظام استبدادي عربي.
إن الاحتجاج ضد النظام من سمات المجتمع الإيراني منذ ثورته عام 1979 بما يعني أن جانباً مما يجري في بطن المجتمع من تفاعلات وغضب ورفض تظهر على السطح وتجعل هناك فرصة لإصلاح النظام من داخله أو بخيارات وطنية من داخل المجتمع حتى لو جاءت من خارج مشروع النظام.
ستبقى تركيا بلد شرق أوسطي كبير، أقرب لخبرة نجاح في الإدارة السلمية للانقسام الحادث حول مواجهة القوى الكبرى الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، وكيفية دعم القضية الفلسطينية، فقد نجحت في أن تدير بشكل علني وسلمي (رغم التحديات والمشاكل) هذا الاستقطاب الموجود بين تيار حاكم محافظ دينياً ويدعم بشكل قانوني وسياسي عاقل القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة، وتيار معارض يميني يرفض هذا الدعم ويدين بالكامل «حماس»، وكلاهما على خلاف بلدان كثيرة يتنافسان ويتصارعان بشدة ولكن بآليات سلمية وقانونية. فهل ستعي طهران أن الحل هو الاعتراف الكامل بالتيار الآخر وتوقع تداول السلطة معه؟



