أنجلينا جولي عند معبر رفح

يقظان التقي

حرير- زارتِ الممثلة الأميركية أنجلينا جولي معبر رفح من الجانب المصري في أولى أيام العام 2026، وأعادت توجيه عدسة الإعلام العالمي نحو معبر مغلق، وأجساد محاصرة، ومأساة فلسطينية مُهدَّدة بالنسيان، في وقتٍ تحظر فيه إسرائيل دخول المنظّمات غير الحكومية إلى غزّة، وتفرض القيود على عمل نحو 37 منظّمة إنسانية فقدت اعتمادها من الإدارة الإسرائيلية، التي طلبت تفحّص أسماء موظّفيها من أجهزة الاستخبارات. ومن المنظّمات جهات بارزة مثل: أطبّاء بلا حدود، والمجلس النرويجي للاجئين، و”كير”، و”ورلد فيجن”، و”هانديكاب إنترناشيونال”، ومنظّمة العمل ضدّ الجوع، و”أوكسفام”. وهي جميعاً تواجه تهديداً بحظر كامل عملياتها الإنسانية في غزّة والضفة الغربية، والسيطرة على موظفيها، وتقييد حرية التعبير اعتباراً من أول مارس/ آذار المقبل.

زيارةٌ لاقت اهتماماً من الصحافة العالمية، وتفاعلاً في منصات التواصل الاجتماعي، لفنّانة شهيرة أميركية، بين التمثيل والاختلاف في كسر الصمت الأخلاقي داخل المجتمع الأميركي. واستخدمت جولي منصّتها العالمية في جذب الاهتمام الدولي لتسليط الضوء على معاناة المدنيين في غزّة، وبهدف الضغط على إسرائيل للامتثال لمتطلّبات المجتمع الدولي في تأمين مستلزمات الحياة للمدنيين، في محاكاة إنسانية للأوضاع الجامدة سياسياً، والتي تزدري فيها دولة الاحتلال القانون الدولي. وعبّرت جولي عن حجم المعاناة “فوق الوصف”، ودعت إلى تسريع دخول المساعدات بشكل عاجل بعد أكثر من عامَيْن من الحرب الإسرائيلية المُدمِّرة.

زيارة تحمل رسالةً إنسانيةً، ورسائلَ أخرى ضمنية لرفع الوعي الدولي حول حاجات الغزّاويين إلى المأوى والرعاية والغذاء والدواء، وضرورة تعاون المجتمع الدولي لتحسين الظروف. وتأتي المهمة في سياق الزيارات العديدة التي تقوم بها الفنّانة، تماشياً مع سجلّ طويل من الانخراط في مناطق نزاع وحروب وكوارث إنسانية حول العالم، قبل وأثناء وبعد عملها مبعوثةً خاصّةً للأمم المتحدة/ مفوضية شؤون اللاجئين، لأكثر من 20 عاماً.

ليست قوة الزيارة في شهرة أنجلينا جولي، أو لأنها أميركية، أو لأنها زيارة إعلامية فقط لا تخرج عن صورة “الصناعة الشخصية” للنجمة الهوليوودية (لا توجد زيارة محايدة إعلامياً)، وأن هناك شكوكاً في تأثيرها المباشر، وقد لا تعطي إلا القليل من النتائج. لا يعني هذا بالضرورة الدافع الاستعراضي؛ فهذا الجانب الرمزي لا يُبطل أثر الزيارة في أن تختار الفنّانة العالمية الوقوف في مهمّة ميدانية عند هامش المعاناة التي تتجاهلها مراكز القرار في بلدها، وتذكّر المجتمع الدولي بضرورة التحرّك في استجابة سريعة وفعّالة، وسط تقارير متزايدة عن القيود التي تواجه عمل منظّمات الإغاثة في غزّة.

لم تدخل الزيارة فجأة على الخطّ؛ سبقتها زيارة مناطق في أوكرانيا ومدينة خرسون. وجولي ناشطة، بخلاف ثقافة الرفاهية الفارغة عند كثير من الفنّانين (سيّما العرب منهم)، المشغولين في ليالي الأعياد والسهرات والمهرجانات في تحقيق الثروات، مركّزين في أنفسهم، مع نسيان أهداف واضحة، وأيّ فرصة لمساعدة الآخرين وخدمتهم، بعيدين عن التكيّف مع الأوضاع التي تحدث في مجتمعاتهم.

فنّانون لا يعرفون معنى رفقة الناس، ولا حتى الوجود مع الآخرين. لا يتذكّرون العالم من حولهم، وسط الخوف وعدم اليقين في الأراضي المحتلة، من نيران القصف وهجمات المستوطنين والاعتقالات والتطهير العرقي والجوع. يعيشون حالات الترفيه الأقصى في وقت تتوجّه فيه الصلوات والشعائر إلى أبناء غزّة في الظروف الأصعب التي يعيشونها تحت المطر، ومع دخول المياه الجارفة إلى هياكل الخيم والمجتمعات السكّانية المُدمَّرة، وحيث يعيش خلف المعبر أكثر من مليونَي شخص في ظروف كارثية.

من المشروع نقد ثقافة المشاهير، إذ من الصعب العثور على معنى يخلق شيئاً لم يكن موجوداً بالفعل، شيئاً خاصاً إنسانياً، بخلاف ما تبدو عليه أنجلينا جولي، وهي مصمّمة على القيام به لتكون مفيدةً وتسعد الآخرين، فالغالبية تنغمس في الترفيه من دون مخاطر التواصل مع المُبعَدين والمُعذَّبين في الأرض، في أنانية متنكّرة بشكل تفاعلي؛ فينشغلون بأنفسهم عن أيّ شيء آخر، في تناقضات سلوكية لا يمكن هندستها والخروج بها بالنظر إلى الناس ومآسيهم. إنها ثقافة الرفاهية الفارغة بلا خدمة للآخرين.

في المقابل، تتحرّك جولي جيّداً بوصفها شخصيةً بمستوىً عالٍ من الحضور والأداء في مساحة واسعة في المناطق الخطرة. تقترب بوجهها الشاحب من الأجساد المتألّمة، بتحرّكات عاطفية إنسانية متطوّرة وبشكل شفّاف. تواجه الأسئلة بدقّة وفعّالية وبالقليل من حركة “الأكشن” التي تستخدمها سينمائياً. تقيم محادثات حيوية مع الناس، وتتفقّد الوضع الإنساني في الجانب المصري في ظلّ تحدّيات كثيرة في إيصال المساعدات، وتوجّه خطابها جيّداً في التقاء المتطوّعين والعاملين في الإغاثة، والاستماع إلى قصصهم، والاطلاع على أحوال الجرحى في المستشفيات المصرية. وهي ترسل رسالةً تعرب فيها عن مسؤوليتها في تقديم المساعدة. فتشغل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من دون إعلانات، وتفضّل الحديث والنقاش على الأرض تحت المطر (رافقتها في زيارة تفقّدية للاجئين السوريين في مخيّمات “برّ إلياس وزحلة” في البقاع 2016). تردم فجوةً كبيرةً مع ثقافة الرفاهية الفارغة التي تسود المجتمعات الفنّية والثقافية، فتنخرط في جهدٍ أمميٍّ مشابه لمعالجة حالات الطوارئ وعدم المساواة والإهمال الذي يطاول مأساة الناس بأشكال متطرّفة من اللامبالاة، كما في حالة فلسطين.

فنّانة تستحقّ التقدير، إذ تجد وقتاً متاحاً للقيام بشيء ما يشكّل نافذةً جديدةً على الروح الإنسانية، وممّا يُعدُّ كافياً لإظهار صورة العنف الذي يحيط بحياة الفلسطينيين. فبمجرّد ظهورها على المعبر، تدفع الصحافة الغربية إلى عدم الاستسلام لليأس حين تظهر رغبتها في إظهار روايات أخرى (غير إسرائيلية)، وإبراز أفكار أخرى عن الحرب العنصرية، ومعلومات أكثر أصالةً وموثوقية ودقّة من ترويج إسرائيل الأخبارَ المضلّلةَ، وخداع العالم بصور الضحيّة المزيّفة التي تستخدمها بشكل قاتم.

لذلك تكتسب الزيارة أهمية واضحة: صورة تتحدّى أشكالاً من الغطرسة الإسرائيلية الأمنية البحتة في محاذاة السياسة، ولصالح الرسالة الاجتماعية والتعبئة لها، في حضور مهمّ يوثّق الجرائم الإسرائيلية المستمرّة وتهميش العاملين في إدخال المساعدات، والإبقاء على إغلاق المعابر، وإجراءات تعسّفية تفاقم من حدّة الأوضاع غير المحتملة، والأكثر قسوة في ظروف وقف إطلاق النار، ومن خلال الدفع بتقديم المساعدات الإنسانية والاستجابة لتحسين التغطية في تقديم الخدمات والتعليم للأطفال والاستشفاء. والأهم إيجاد طريقة للتأثير في الذين يبحثون عن تحسّن في شعور العالم بهم، ولا سيّما الذين يقيمون خلف معبر رفح مع كثير من الموت والظلام.

مقالات ذات صلة