المارد الذي استفاق: العالم يرى غزة

شهباء شهاب

حرير- كلنا نتساءل كيف استيقظ العالم لأول مرة بعد السابع من أكتوبر 2023 وشاهدوا صورة إسرائيل الحقيقية، وكيف أنها تمكنت عبر عشرات السنين من تزييف الواقع وقلبه، وأنفقت مليارات الدولارات لخلق قصة وهمية وجعل العالم برمته يصدقها. ما جعل الفلسطينيين والعرب المساندين لهم، في موقع الدفاع أمام العالم ليشرحوا للعالم لماذا يدافعون عن قضية فلسطين.

في لحظة واحدة استيقظ العالم، الذي كان يغط في نوم عميق عشرات السنين، ليتفاجأ بالحقيقة لأول مرة منذ سبعة وسبعين عاما بأن الصهيونية ما هي إلا أيديولوجيا استعمارية وإجرامية وعنصرية، وأنها تمارس حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق الشعب الفلسطيني.

استيقظ العالم فجأة على حقيقة أنه تم خداعه والتلاعب به والتآمر عليه، لم يعد قادرا على تبرير الإبادة الجماعية والاحتلال والتهجير القسري والتجويع، الذي يواجهه الفلسطينيون كل يوم. نجحت الصهيونية في قلب الواقع، وفي جعل العالم يصدق سرديتها المزورة التي اختلقتها، وجعلت حكومات وشعوب العالم تصدقها لسبب رئيسي وهو، أن الإعلام في الماضي كان حكرا على الحكومات وعلى شركات الإعلام التي كانت الصهيونية وبكل سهولة تشتريها بمن فيها من موظفين وأجهزة لتبقي على التعتيم الإعلامي، الذي تمارسه على العالم، وتجعل العالم لا يرى ولا يسمع ولا يصدق إلا سرديتها المختلقة عن الشعب المختار وأرض الميعاد وهيكل سليمان وإسرائيل الكبرى ومعاداة السامية، وغيرها من الروايات المختلقة. لقد مارست الصهيونية تلاعبا نفسيا وعاطفيا بحق العالم برمته، عندما جعلت معظم العالم يشكك في تصورات الفلسطينيين والعرب، وأحقية انتمائهم لأرضهم ووطنهم وذكرياتهم. هذا التلاعب النفسي والعاطفي الذي يقوم على ترويج الأكاذيب وإنكار الأحداث، وتزييف الوقائع، واستخدام الصور النمطية المسيئة للفلسطينيين والعرب، هو تكتيك معروف في علم النفس، وقد عرفت الصهيونية كيف تستخدمه لفرض سيطرتها على عقول الناس، من خلال تحريف الواقع وإثارة الارتباك والتشكيك الذاتي، بشكل ممنهج في عقول كل من يعارضها ويقف ضدها. وهكذا تمكنت من جعل معظم الرأي العام الدولي مؤيدا وتابعا لها.

الذي تغير في العالم وجعل المارد النائم يستفيق من سباته ويفتح عينيه على حقيقة القضية الفلسطينية، والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي هو أن قواعد الإعلام قد تغيرت اليوم، ولم يعد الإعلام حكرا على النخبة، أو على المشتغلين بالإعلام، أو حكرا على الحكومات والشركات، بل أصبح في متناول كل فرد في العالم. وأصبح الكل بإمكانه أن يصور بجهاز الهاتف المحمول الأحداث كما هي، من دون مونتاج ومن دون قص ومن دون ترقيع، وبإمكان الجميع أيضا التعليق عليها وشرحها وكشف أسرارها ودقائقها وفضح المستور والخبايا. كل فرد في العالم أصبح بإمكانه أن يكون إعلاميا ومؤثرا وناشطا على وسائل التواصل الحديثة، وأهمها تطبيقات تك توك وأكس وفيسبوك ويوتيوب. فلأول مرة في التاريخ تمكن الفلسطينيون من إملاء سرديتهم على العالم، من خلال الأشرطة المصورة، التي نشروها على منصات التواصل الاجتماعي ليجعلوا العالم برمته، قادة وشعوبا يرون بأم أعينهم حرب الإبادة والتدمير والتهجير والاحتلال القسري، الذي تمارسه إسرائيل كل يوم بحق الشعب الفلسطيني. لم يعد الفلسطينيون بحاجة لتعاطف وكالات الأنباء ولا لتغطية محطات الإذاعة والتلفزيون والصحف العالمية لمآسيهم وجروحهم وأوجاعهم ودموعهم، لأنهم استطاعوا تصوير كل ذلك بأنفسهم، بهواتفهم الذكية وجعلوا هذه الأشرطة المصورة تدور العالم من أقصاه لأقصاه تحكي وتصيح وتصرخ وتستغيث.

لقد هوت الصهيونية وسقطت أمام العالم لأول مرة في تاريخها، وكان سقوطها مدويا ومرعبا ومفاجئا وصادما ولم يتوقعه أحد، ولا حتى أصحاب القرار في جميع دول العالم. فلم يدر بخلد أي أحد أن الفلسطينيين وهم وسط جحيم القنابل ولظى القذائف وعصف الصواريخ، التي تنهمر عليهم كالمطر وتدمر بيوتهم وتحيلها ركاما من الحجارة وتخطف أحبتهم من بين أحضانهم، وأنهم من بين أنياب الجوع والعطش والتشرد في الخيام، ومن تحت الأنقاض والرميم سيمتلكون هذه القدرة الهائلة الفذة على الصمود، وعلى حمل هواتفهم معهم لتصوير كل هذا الدمار وهذه المذبحة المروعة وبثهما للعالم بأجمعه لعل الشعوب تنتبه وتثور وتطالب بوقف المجزرة. الإعلام المختبئ في كل هاتف محمول صغير لكل فرد من أفراد العالم، هو الذي ظل يصفع العالم حتى تحرك وخرج ثائرا إلى الشوارع والطرقات في كل مدن العالم، مطالبا بوقف المذبحة وإنهاء حملة التجويع لشعب كامل. الحقيقة تسللت من بين أيدينا جميعا، نحن سكان العالم، عندما كنا نستيقظ صباحا وأول ما نفعله هو أن نمسك جهاز الهاتف ونتصفح فيسبوك واكس وتك توك لنرى الأشرطة التي بثها الفلسطينيون تحاصرنا، حتى بعد أن نغلق هواتفنا ونحاول العودة لروتين حياتنا المعتاد، تبقى عيون الأطفال والآباء والامهات والزوجات وصرخاتهم من وجع الإصابات الدامية وقهر الجوع والاذلال ومن فقدان الأحبة، وتبقى صور مئات الاكفان البيضاء التي تلف الشهداء وتدفن جماعيا ترافقنا أنى ذهبنا، تؤرقنا وتمتحن إنسانيتنا وتحثنا على أن نفعل أي شيء، حتى لو كان هذا الشيء مجرد إعادة نشر الشريط أو التظاهر السلمي وهما أضعف الأيمان.

لقد أدمت صور أهل غزة قلوب شعوب العالم وتركت فيهم أوجاعا لا تنسى أبدا. لقد جعلت هذه الصور والمشاهد شعوب العالم برمته بصورة عامة والشعب الأمريكي بشكل خاص يكتشفان ولأول مرة أن يدي إسرائيل تتحركان في جميع المؤسسات الأمريكية، وأن إسرائيل تستخدم أموال دافعي الضرائب الامريكية لا من أجل رفاهية المواطن الأمريكي وإصلاح مشاكله، ولا من أجل تنمية المدن الأمريكية التي يرزح الكثير من سكانها تحت مستوى خط الفقر وتمتلئ بالجياع والمشردين الذين لا مأوى لهم سوى الشوارع، وإنما تستخدم لأسقاط الحكومات التي تتصدى للسياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وتستخدم كذلك لتزويد إسرائيل بالمزيد من الأسلحة الفتاكة، من أجل إبادة أكبر عدد من الفلسطينيين وتطهير البلدات الفلسطينية من أهلها وتهجيرهم من بيوتهم ومزارعهم قسرا، لإنشاء مستوطنات إسرائيلية لمهاجرين يهود يستقدمون من بلدانهم في أوروبا وأمريكا. الشعب الأمريكي نفسه بدأ يفتح عينيه المغمضتين، ويدرك لأول مرة في تاريخه، أن أمريكا ليست دولة حرة كما كان يظن، وأنها ليست بلد الحريات كما يزعم، بل إنها محتلة بالكامل من دولة أجنبية تبعد عنها آلاف الأميال، وأن هذه الدولة الأجنبية تسيطر على حكومته وعلى سياسييه سيطرة محكمة لا فكاك منها أبدا. لقد أدرك الأمريكيون أن القرار السياسي الأمريكي مصادر منذ زمن بعيد، وأن حكومتهم ترشى وتبتز بالأموال وبالفضائح الجنسية للحفاظ على دولة إسرائيل.

حرب غزة جعلت شعوب العالم تعيد فتح ملفات الأحداث الماضية للرؤساء والناشطين، الذين تم اغتيالهم وتشويه سمعتهم وتعيد قراءتها في ضوء المعلومات الجديدة التي بدأت تتكشف وتظهر للعلن، والتي أظهرت وبشكل واضح أن أمريكا لا يمكنها أن تخالف أوامر إسرائيل، بعد أن كان الجميع يظن في الماضي أن أمريكا هي سيدة العالم وأنها أقوى دولة في العالم، وأنها هي من تأمر وتصدر التعليمات لتطاع. لقد جعلت هذه الحرب الظالمة العديد من الناس حول العالم ومنهم اليهود والأمريكيون أنفسهم حتى من الجنود والضباط ومشاهير السياسة والإعلام والفن يغيرون الكثير من القناعات والمفاهيم، التي كانوا يؤمنون بها والتي كانوا يعتبرونها لا تمس، وليست خاضعة للنقاش أو التفاوض ويكسرون صمتهم للتحدث عن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، عندما أدركوا أن هذه القناعات تتعارض مع أبسط الحقوق الإنسانية، التي تنص على حرمة دم الإنسان وحقه في الدفاع عن أرضه وبيته وحقه في العيش بكرامة بلا جوع أو خوف.

مقالات ذات صلة